فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 4997

بلا فاصل - بكلام البارئ سبحانه في السياق.وكله قرآن منزل.ولكن الشطر الأول حكاية عن قول اللّه،والشطر الثاني حكاية عن قول المؤمنين.وهو تشريف عظيم أن يلحق كلام المؤمنين بكلام اللّه في سياق واحد،بحكم الصلة الوثيقة بينهم وبين ربهم،وبحكم الاستقامة الواصلة بينه وبينهم.وأمثال هذا في القرآن كثير.وهو ذو مغزى كبير.

ثم تمضي الحجة الدامغة إلى نهايتها الحاسمة: «قُلْ:أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ،وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ،وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ،وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ؟» ..ولا مجال للجدل في وحدانية اللّه وربوبيته.فهو ربنا وربكم،ونحن محاسبون بأعمالنا،وعليكم وزر أعمالكم.ونحن متجردون له مخلصون لا نشرك به شيئا،ولا نرجو معه أحدا..وهذا الكلام تقرير لموقف المسلمين واعتقادهم وهو غير قابل للجدل والمحاجة واللجاج ..

ومن ثم يضرب السياق عنه،وينتقل إلى مجال آخر من مجالات الجدل.يظهر أنه هو الآخر غير قابل للجاجة والمحال: «أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى ؟» .

وهم كانوا أسبق من موسى،وأسبق من اليهودية والنصرانية.واللّه يشهد بحقيقة دينهم - وهو الإسلام كما سبق البيان: «قُلْ:أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ؟» ..

وهو سؤال لا جواب عليه! وفيه من الاستنكار ما يقطع الألسنة دون الجواب عليه! ثم إنكم لتعلمون أنهم كانوا قبل أن تكون اليهودية والنصرانية.وكانوا على الحنيفية الأولى التي لا تشرك باللّه شيئا.ولديكم كذلك شهادة في كتبكم أن سيبعث نبي في آخر الزمان دينه الحنيفية،دين إبراهيم.ولكنكم تكتمون هذه الشهادة: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ؟» ..

واللّه مطلع على ما تخفون من الشهادة التي ائتمنتم عليها،وما تقومون به من الجدال فيها لتعميتها وتلبيسها: «وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» ..

وحين يصل السياق إلى هذه القمة في الإفحام،وإلى هذا الفصل في القضية،وإلى بيان ما بين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وبين اليهود المعاصرين من مفارقة تامة في كل اتجاه ..عندئذ يعيد الفاصلة التي ختم بها الحديث من قبل عن إبراهيم وذريته المسلمين: «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ.لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ.وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ» ..

وفيها فصل الخطاب،ونهاية الجدل،والكلمة الأخيرة في تلك الدعاوى الطويلة العريضة.

انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني مبدوءا بقوله تعالى:سيقول السفهاء من الناس ما ولا هم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت