إنه البدء الموحي بموضوع السورة الرئيسي:تنزيل القرآن من عند اللّه،وعموم الرسالة إلى البشر جميعا.ووحدانية اللّه المطلقة.وتنزيهه عن الولد والشريك،وملكيته لهذا الكون كله،وتدبيره بحكمة وتقدير ..
وبعد ذلك كله يشرك المشركون،ويفتري المفترون،ويجادل المجادلون،ويتطاول المتطاولون! «تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا» ..
والتبارك تفاعل من البركة،يوحي بالزيادة فيها والفيض والرفعة جميعا.ولم يذكر لفظ الجلالة واكتفى بالاسم الموصول «الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ» لإبراز صلته وإظهارها في هذا المقام،لأن موضوع الجدل في السورة هو صدق الرسالة وتنزيل القرآن.
وسماه الفرقان.بما فيه من فارق بين الحق والباطل،والهدي والضلال.بل بما فيه من تفرقة بين نهج في الحياة ونهج،وبين عهد للبشرية وعهد.فالقرآن يرسم منهجا واضحا للحياة كلها في صورتها المستقرة في الضمير،وصورتها الممثلة في الواقع.منهجا لا يختلط بأي منهج آخر مما عرفته البشرية قبله.ويمثل عهدا جديدا للبشرية في مشاعرها وفي واقعها لا يختلط كذلك بكل ما كان قبله.فهو فرقان بهذا المعنى الواسع الكبير.
فرقان ينتهي به عهد الطفولة ويبدأ به عهد الرشد.وينتهي به عهد الخوارق المادية ويبدأ به عهد المعجزات العقلية.
وينتهي به عهد الرسالات المحلية الموقوتة،ويبدأ به عهد الرسالة العامة الشاملة: «لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا» .
وفي موضع التكريم لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وفي مقام التعظيم يصفه بالعبودية: «عَلى عَبْدِهِ» ..
كذلك وصفه في مقام الإسراء والمعراج في سورة الإسراء: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» .وكذلك وصفه في مقام دعائه ومناجاته في سورة الجن: «وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ..» وكذلك يصفه هنا في مقام تنزيل الفرقان عليه كما وصفه في مثل هذا المقام في مطلع سورة الكهف:الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ...» والوصف بالعبودية في هذه المواضع له دلالته على رفعة هذا المقام،وأنه أرفع ما يرتفع إليه بشر من بني الإنسان.كما أن فيه تذكيرا خفيا بأن مقام البشرية حين يبلغ مداه لا يزيد على أن يكون مقام العبودية للّه.ويبقى مقام الألوهية متفردا بالجلالة.متجردا من كل شبهة شرك أو مشابهة.ذلك أن مثل مقام الإسراء والمعراج،أو مقام الدعاء والمناجاة،أو مقام الوحي والتلقّي،كان مزلة لبعض أتباع الرسل من قبل،منها نشأت أساطير النبوة للّه،أو الصلة القائمة على غير الألوهية والعبودية.
ومن ثم يحرص القرآن على توكيد صفة العبودية في هذا المقام،بوصفها أعلى أفق يرتفع إليه المختارون من بني الإنسان.