مَسْحُورًا.انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا.تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ:جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ،وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا» ..
ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ ما له بشرا يتصرف تصرفات البشر؟ إنه الاعتراض المكرور الذي رددته البشرية عن كل رسول! كيف يمكن أن يكون فلان ابن فلان،المعروف لهم،المألوف في حياتهم،الذي يأكل كما يأكلون،ويعيش كما يعيشون ..كيف يمكن أن يكون رسولا من عند اللّه يوحى إليه؟ كيف يمكن أن يتصل بعالم آخر غير عالم الأرض يتلقى عنه؟ وهم يرونه واحدا منهم من لحم ودم.وهم لا يوحى إليهم،ولا يعرفون شيئا عن ذلك العالم الذي يأتي منه الوحي لواحد منهم،لا يتميز في شيء عنهم.
والمسألة من هذا الجانب قد تبدو غريبة مستبعدة.ولكنها من الجانب الآخر تبدو طبيعية مقبولة ..لقد نفخ اللّه من روحه في هذا الإنسان وبهذه النفخة الإلهية تميز وصار إنسانا،واستخلف في الأرض.وهو قاصر العلم،محدود التجربة،ضعيف الوسيلة،وما كان اللّه ليدعه في هذه الخلافة دون عون منه،ودون هدي ينير له طريقه.وقد أودعه الاستعداد للاتصال به عن طريق تلك النفخة العلوية التي ميزته.فلا عجب أن يختار اللّه واحدا من هذا الجنس صاحب استعداد روحي للتلقي فيوحي إليه ما يهدي به إخوانه إلى الطريق كلما غام عليهم الطريق،وما يقدم به إليهم العون كلما كانوا في حاجة إلى العون.
إنه التكريم الإلهي للإنسان يبدو في هذه الصورة العجيبة من بعض جوانبها،الطبيعية من البعض الآخر.ولكن الذين لا يدركون قيمة هذا المخلوق،ولا حقيقة التكريم الذي أراده اللّه له،ينكرون أن يتصل بشر باللّه عن طريق الوحي وينكرون أن يكون واحد من هؤلاء البشر رسولا من عند اللّه.يرون الملائكة أولى بهذا وأقرب: «لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا» .واللّه قد أسجد الملائكة للإنسان بما أودعه من الخصائص الفائقة،الناشئة من النفخة العلوية الكريمة.
وإنها الحكمة الإلهية كذلك تبدو في رسالة واحد من البشر إلى البشر.واحد من البشر يحس إحساسهم،ويتذوق مواجدهم،ويعاني تجاربهم،ويدرك آلامهم وآمالهم،ويعرف نوازعهم وأشواقهم،ويعلم ضروراتهم وأثقالهم ..ومن ثم يعطف على ضعفهم ونقصهم،ويرجو في قوتهم واستعلائهم،ويسير بهم خطوة خطوة،وهو يفهم ويقدر بواعثهم وتأثراتهم واستجاباتهم،لأنه في النهاية واحد منهم،يرتاد بهم الطريق إلى اللّه،بوحي من اللّه وعون منه على وعثاء الطريق! وهم من جانبهم يجدون فيه القدوة الممكنة التقليد،لأنه بشر منهم،يتسامى بهم رويدا رويدا ويعيش فيهم بالأخلاق والأعمال والتكاليف التي يبلغهم أن اللّه قد فرضها عليهم،وأرادها منهم فيكون هو بشخصه ترجمة حية للعقيدة التي يحملها إليهم.وتكون حياته وحركاته وأعماله صفحة معروضة لهم ينقلونها سطرا سطرا،ويحققونها معنى معنى،وهم يرونها بينهم،فتهفو نفوسهم إلى تقليدها،لأنها ممثلة في إنسان ولو كان ملكا ما فكروا في عمله ولا حاولوا أن يقلدوه،لأنهم منذ البدء يشعرون أن طبيعته غير طبيعتهم،فلا