فهرس الكتاب

الصفحة 3246 من 4997

منها ضيق،يزيدهم كربة وضيقا،ويعجزهم عن التفلت والتململ ..ثم ها هم أولاء يائسون من الخلاص،مكروبون في السعير.فراحوا يدعون الهلاك أن ينقذهم من هذا البلاء: «وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا» .فالهلاك اليوم أمنية المتمني،والمنفذ الوحيد للخلاص من هذا الكرب الذي لا يطاق ثم ها هم أولاء يسمعون جواب الدعاء.يسمعون تهكما ساخرا مريرا: «لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا» .فهلاك واحد لا يجدي شيئا ولا يكفي شيئا! وفي هذا الموقف المكروب الرعيب يعرض ما أعد للمتقين،الذين يخشون ربهم ويرجون لقاءه،ويؤمنون بالساعة.يعرض في أسلوب متهكم كذلك ساخر.

« قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ؟ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ.كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا؟» .أذلك الكرب الفظيع خير؟ أم جنة الخلد التي وعدها اللّه المتقين،وخولهم حق سؤاله عنها،وطلب تحقيق وعده الذي لا يخلف،ومنحهم أن يطلبوا فيها ما يشاءون؟ وهل هناك وجه للموازنة؟ ولكنها السخرية المريرة بالساخرين الذين يتطاولون على الرسول الكريم.

ثم يمضي مستطردا يعرض مشهدا آخر من مشاهد الساعة التي كذب بها المكذبون.مشهد أولئك المشركين،وقد حشروا مع آلهتهم التي كانوا يزعمون،ووقف الجميع عبادا ومعبودين أمام الديان يسألون ويجيبون! «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ،فَيَقُولُ:أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ،أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ؟ قالُوا:سُبْحانَكَ! ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ.وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ،وَكانُوا قَوْمًا بُورًا ..فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ،فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا.وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا» ..

وما يعبدون من دون اللّه قد يكونون هم الأصنام.وقد يكونون هم الملائكة والجن،وكل معبود من دون اللّه.وإن اللّه ليعلم.ولكن الاستجواب هكذا في الساحة الكبرى،وهم محشورون أجمعين،فيه تشهير وتأنيب،وهو ذاته عذاب مرهوب! والجواب هو الإنابة من هؤلاء «الآلهة» ! الإنابة للّه الواحد القهار.وتنزيهه عن ذلك الافتراء،والتبرؤ لا من ادعاء الألوهية،ولكن من مجرد أن يتخذوا لهم أولياء من دون اللّه،والزراية على أولئك الجاحدين الجهال: « قالُوا:سُبْحانَكَ! ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ.وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ،وَكانُوا قَوْمًا بُورًا» ..

فهذا المتاع الطويل الموروث - على غير معرفة بواهب النعمة ولا توجه ولا شكر - قد ألهاهم وأنساهم ذكر المنعم،فانتهت قلوبهم إلى الجدب والبوار.كالأرض البور لا حياة فيها ولا زرع ولا ثمار.والبوار الهلاك،ولكن اللفظ يوحي كذلك بالجدب والخواء.جدب القلوب،وخواء الحياة.

عندئذ يتوجه إلى أولئك العباد الجهال بالخطاب المخزي المهين: «فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ.فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا» ..لا صرف العذاب ولا الانتصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت