فهرس الكتاب

الصفحة 3268 من 4997

«وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا» ..كل كافر - ومشركو مكة من ضمنهم! - إنما هو حرب على ربه الذي خلقه وسواه.فكيف ذلك،وهو صغير ضئيل لا يبلغ أن يكون حربا ولا ضدا على اللّه؟ إنه حرب على دينه.وحرب على منهجه الذي أراده للحياة.إنما يريد التعبير أن يفظع جريمته ويبشعها،فيصوره حربا على ربه ومولاه! فهو يحارب ربه حين يحارب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ورسالته،فلا على الرسول منه،فإنما الحرب مع اللّه،وهو به كفيل.ثم يطمئن اللّه عبده،ويخفف العبء عن عاتقه،ويشعره أنه حين يؤدي واجبه في التبشير والإنذار،وجهاد الكفار بما معه من قرآن فلا عليه من عداء المجرمين له ولا عناد الكافرين.

واللّه يتولى عنه المعركة مع أعدائه الذين إنما يعادون اللّه.فليتوكل على ربه.واللّه أعلم بذنوب عباده! «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.قُلْ:ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا.وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ،وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا» ..

وبهذا يحدد واجب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو التبشير والإنذار.ولم يكن بعد مأمورا بقتال المشركين وهو في مكة لضمان حرية التبشير والإنذار كما أمر به بعد ذلك في المدينة.وذلك لحكمة يعلمها اللّه.نحدس منها أنه كان في هذه الفترة يعد الرجال الذين ترتكز إليهم هذه العقيدة الجديدة،وتعيش في نفوسهم،وتترجم في حياتهم،وتتمثل في سلوكهم،لكي يكونوا نواة المجتمع المسلم الذي يحكمه الإسلام ويهيمن عليه.ولكي لا يدخل في خصومات وثارات دموية تصد قريشا عن الإسلام،وتغلق قلوبهم دونه واللّه يقدر أنهم سيدخلون فيه بعضهم قبل الهجرة وسائرهم بعد الفتح،ويكون منهم نواة صلبة للعقيدة الخالدة بإذن اللّه.

على أن لب الرسالة بقي في المدينة كما كان في مكة هو التبشير والإنذار.إنما جعل القتال لإزالة الموانع المادية دون حرية الدعوة،ولحماية المؤمنين حتى لا تكون فتنة فالنص صادق في مكة وفي المدينة على السواء: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا» ..

«قُلْ:ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا» ..

فليس للرسول - صلى الله عليه وسلم - من مطمع في أجر ولا عرض من أعراض الحياة الدنيا يناله ممن يهتدون إلى الإسلام.ليست هناك إتاوة،ولا نذر ولا قربان يقدمه المسلم.وهو يدخل في الجماعة المسلمة بكلمات ينطق بها لسانه ويعتقد بها قلبه.وهذه ميزة الإسلام.ميزته أن ليس هناك كاهن يتقاضى ثمن كهانته،ولا وسيط يقبض ثمن وساطته ليس هنالك «رسم دخول» ولا ثمن لتناول سر ولا بركة ولا استقبال! هذه هي بساطة هذا الدين وبراءته من كل ما يحول بين القلب والإيمان ومن كل ما يقف بين العبد وربه من وسطاء وكهان ..ليس هنالك سوى أجر واحد للرسول - صلى الله عليه وسلم - هو اهتداء المهتدي إلى اللّه وتقربه إلى ربه بما يراه! «إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا» ..هذا وحده هو أجره ..يرضي قلبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت