فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 4997

رَاكِبًا،ثُمَّ أَتَانَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَهُمْ،وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ.قَالَ الْبَرَاءُ:فَلَمْ يَقْدَمْ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى قَرَأْتُ سُوَرًا مِنَ الْمُفَصَّلِ،ثُمَّ خَرَجْنَا نَلْقَى الْعِيرَ،فَوَجَدْنَاهُمْ قَدْ حَذِرُوا [1] .

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ،فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا،وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ،فَكَانَ يَدْعُو اللَّهَ وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ:"مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا"فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ"فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ"يَعْنِي:نَحْوَهُ،فَارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ،وَقَالُوا:"قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"" [2] .

عندئذ انطلقت أبواق يهود - وقد عز عليهم أن يتحول محمد - صلى الله عليه وسلم - والجماعة المسلمة عن قبلتهم،وأن يفقدوا حجتهم التي يرتكنون إليها في تعاظمهم وفي تشكيك المسلمين في قيمة دينهم - انطلقت تلقي في صفوف المسلمين وقلوبهم بذور الشك والقلق في قيادتهم وفي أساس عقيدتهم ..قالوا لهم:إن كان التوجه - فيما مضى - إلى بيت المقدس باطلا فقد ضاعت صلاتكم طوال هذه الفترة وإن كانت حقا فالتوجه الجديد إلى المسجد الحرام باطل،وضائعة صلاتكم إليه كلها ..وعلى أية حال فإن هذا النسخ والتغيير للأوامر - أو للآيات - لا يصدر من اللّه،فهو دليل على أن محمدا لا يتلقى الوحي من اللّه!

وتتبين لنا ضخامة ما أحدثته هذه الحملة في نفوس بعض المسلمين وفي الصف الإسلامي من مراجعة ما نزل من القرآن في هذا الموضوع،منذ قوله تعالى: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها» - وقد استغرق درسين كاملين في الجزء الأول - ومن مراجعة هذا الدرس في هذا الجزء أيضا.ومن التوكيدات والإيضاحات والتحذيرات التي سندرسها فيما يلي تفصيلا عند استعراض النص القرآني.

أما الآن فنقول كلمة في حكمة تحويل القبلة،واختصاص المسلمين بقبلة خاصة بهم يتجهون إليها.فقد كان هذا حادثا عظيما في تاريخ الجماعة المسلمة،وكانت له آثار ضخمة في حياتها ..

لقد كان تحويل القبلة أولا عن الكعبة إلى المسجد الأقصى لحكمة تربوية أشارت إليها آية في هذا الدرس: « وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ» ..فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم،ويعدونه عنوان مجدهم القومي ..ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب للّه،وتجريدها من التعلق بغيره،وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير المنهج الإسلامي المرتبط باللّه مباشرة،المجرد من كل ملابسة تاريخية أو عنصرية أو أرضية على العموم ..فقد نزعهم نزعا من الاتجاه إلى البيت الحرام،واختار لهم الاتجاه - فترة - إلى المسجد الأقصى،ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية،ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية،وليظهر من يتبع الرسول اتباعا

(1) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [14 /188] (6281) صحيح

(2) - تفسير ابن أبي حاتم [1 /371] ( 1325) حسن - هذه الأحاديث زيادة مني حيث أشار إليها السيد رحمه الله إشارة فقط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت