وهنا فجوة في السورة على طريقة القصص القرآني ندرك منها أن المكذبين المعرضين استعجلوا عذاب اللّه الذي أنذرهم به صالح،بدلا من أن يطلبوا هدى اللّه ورحمته - شأنهم في هذا شأن مشركي قريش مع الرسول الكريم - فأنكر عليهم صالح أن يستعجلوا بالعذاب ولا يطلبوا الهداية،وحاول أن يوجههم إلى الاستغفار لعل اللّه يدركهم برحمته: «قالَ:يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ؟ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» ! ولقد كان يبلغ من فساد القلوب أن يقول المكذبون: «اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» ..بدلا من أن يقولوا:اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إلى الإيمان به والتصديق! وكذلك كان قوم صالح يقولون.ولا يستجيبون لتوجيه رسولهم إلى طريق الرحمة والتوبة والاستغفار.
ويعتذرون عن ضيقهم به وبالذين آمنوا معه بأنهم يرونهم شؤما عليهم،ويتوقعون الشر من ورائهم:
«قالُوا:اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ» .والتطير.التشاؤم.مأخوذ من عادة الأقوام الجاهلة التي تجري وراء الخرافات والأوهام،لأنها لا تخرج منها إلى نصاعة الإيمان.فقد كان الواحد منهم إذا همّ بأمر لجأ إلى طائر فزجره أي أشار إليه مطاردا.فإن مر سانحا عن يمينه إلى يساره استبشر ومضى في الأمر.وإن مر بارحا عن يساره إلى يمينه تشاءم وتوقع الضر!
وما تدري الطير الغيب،وما تنبىء حركاتها التلقائية عن شيء من المجهول.ولكن النفس البشرية لا تستطيع أن تعيش بلا مجهول مغيب تكل إليه ما لا تعرفه وما لا تقدر عليه.فإذا لم تكل المجهول المغيب إلى الإيمان بعلام الغيوب وكلته إلى مثل هذه الأوهام والخرافات التي لا تقف عند حد،ولا تخضع لعقل،ولا تنتهي إلى اطمئنان ويقين.
وحتى هذه اللحظة ترى الذين يهربون من الإيمان باللّه،ويستنكفون أن يكلوا الغيب إليه،لأنهم - بزعمهم - قد انتهوا إلى حد من العلم لا يليق معه أن يركنوا إلى خرافة الدين! - هؤلاء الذين لا يؤمنون باللّه ولا بدينه ولا بغيبه ..نراهم يعلقون أهمية ضخمة على رقم 13،وعلى مرور قط أسود يقطع الطريق أمامهم،وعلى إشعال أكثر من لفافتين بعود ثقاب واحد ..إلى آخر هذه الخرافات الساذجة.ذلك أنهم يعاندون حقيقة الفطرة.
وهي جوعتها إلى الإيمان،وعدم استغنائها عنه،وركونها إليه في تفسير كثير من حقائق هذا الكون التي لم يصل إليها علم الإنسان وبعضها لن يصل إليه في يوم من الأيام،لأنه أكبر من الطاقة البشرية،ولأنه خارج عن اختصاص الإنسان،زائد على مطالب خلافته في هذه الأرض،التي زود على قدرها بالمواهب والطاقات! فلما قال قوم صالح قولتهم الجاهلة الساذجة،الضالة في تيه الوهم والخرافة،ردهم صالح إلى نور اليقين،وإلى حقيقته الواضحة،البعيدة عن الضباب والظلام: «قالَ:طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ» .حظكم ومستقبلكم ومصيركم عند اللّه.واللّه قد سن سننا وأمر الناس بأمور،وبين لهم الطريق المستنير.فمن اتبع سنة اللّه،وسار على هداه،فهناك الخير،بدون حاجة إلى زجر