فهرس الكتاب

الصفحة 3358 من 4997

تصميما واحدا متناسقا لهذا الكون لا تعدد في طبيعته ولا تعدد في اتجاهه.فلا بد أنه صادر عن إرادة واحدة غير متعددة.إرادة قاصدة لا يفوتها القصد في الكبير ولا في الصغير.

« أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» .. «وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها؟» ..والماء النازل من السماء حقيقة كذلك مشهودة يستحيل إنكارها،ويتعذر تعليلها بغير الإقرار بخالق مدبر،فطر السماوات والأرض وفق هذا الناموس الذي يسمح بنزول المطر،بهذا القدر،الذي توجد به الحياة،على النحو الذي وجدت به،فما يمكن أن يقع هذا كله مصادفة،وأن تتوافق المصادفات بهذا الترتيب الدقيق،وبهذا التقدير المضبوط.المنظور فيه إلى حاجة الأحياء وبخاصة الإنسان.هذا التخصيص الذي يعبر عنه القرآن الكريم بقوله: «وَأَنْزَلَ لَكُمْ ...» والقرآن يوجه القلوب والأبصار إلى الآثار المحيية لهذا الماء المنزل للناس وفق حاجة حياتهم،منظورا فيه إلى وجودهم وحاجاتهم وضروراتهم.يوجه القلوب والأبصار إلى تلك الآثار الحية القائمة حيالهم وهم عنها غافلون: «فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ» ..

حدائق بهيجة ناضرة حية جميلة مفرحة ..ومنظر الحدائق يبعث في القلب البهجة والنشاط والحيوية.وتأمل هذه البهجة والجمال الناضر الحي الذي يبعثها كفيل بإحياء القلوب.وتدبر آثار الإبداع في الحدائق كفيل بتمجيد الصانع الذي أبدع هذا الجمال العجيب.وإن تلوين زهرة واحدة وتنسيقها ليعجز عنه أعظم رجال الفنون من البشر.

وان تموج الألوان وتداخل الخطوط وتنظيم الوريقات في الزهرة الواحدة ليبدو معجزة تتقاصر دونها عبقرية الفن في القديم والحديث.فضلا على معجزة الحياة النامية في الشجر - وهي السر الأكبر الذي يعجز عن فهمه البشر: « ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها» وسر الحياة كان وما يزال مستغلقا على الناس.سواء أكان في النبات أم في الحيوان أم في الإنسان.فما يملك أحد حتى اللحظة أن يقول:كيف جاءت هذه الحياة،ولا كيف تلبست بتلك الخلائق من نبات أو حيوان أو إنسان.ولا بد من الرجوع فيها إلى مصدر وراء هذا الكون المنظور.

وعند ما يصل في هذه الوقفة أمام الحياة النامية في الحدائق البهيجة إلى إثارة التطلع والانتباه وتحريك التأمل والتفكير،يهجم عليهم بسؤال: «أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟» ..

ولا مجال لمثل هذا الادعاء ولا مفر من الإقرار والإذعان ..وعندئذ يبدو موقف القوم عجيبا،وهم يسوون آلهتهم المدعاة باللّه،فيعبدونها عبادة اللّه: «بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ» ..

ويعدلون.إما أن يكون معناها يسوون.أي يسوون آلهتهم باللّه في العبادة.وإما أن يكون معناها:يحيدون.أي يحيدون عن الحق الواضح المبين.بإشراك أحد مع اللّه في العبادة وهو وحده الخالق الذي لم يشاركه أحد في الخلق.وكلا الأمرين تصرف عجيب لا يليق!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت