فهرس الكتاب

الصفحة 3381 من 4997

المستضعفين المعتدى عليهم،فتنقذهم وتستنقذ عناصر الخير فيهم،وتربيهم،وتجعلهم أئمة،وتجعلهم الوارثين.

فهذا هو الغرض من سوق القصة في هذه السورة ومن ثم عرضت من الحلقة التي تؤدي هذا الغرض وتبرزه،والقصة في القرآن تخضع في طريقة عرضها للغرض المراد من هذا العرض.فهي أداة تربية للنفوس،ووسيلة تقرير لمعان وحقائق ومبادئ.وهي تتناسق في هذا مع السياق الذي تعرض فيه،وتتعاون في بناء القلوب،وبناء الحقائق التي تعمر هذه القلوب.

والحلقات المعروضة من القصة هنا هي:حلقة مولد موسى - عليه السّلام - وما أحاط بهذا المولد من ظروف قاسية في ظاهرها،وما صاحبه من رعاية اللّه وعنايته.وحلقة فتوته وما آتاه اللّه من الحكم والعلم،وما وقع فيها من قتل القبطي،وتآمر فرعون وملئه عليه،وهربه من مصر إلى أرض مدين،وزواجه فيها،وقضاء سنوات الخدمة بها.وحلقة النداء والتكليف بالرسالة.ثم مواجهة فرعون وملئه وتكذيبهم لموسى وهارون.والعاقبة الأخيرة - الغرق - مختصرة سريعة.

ولقد أطال السياق في عرض الحلقة الأولى والحلقة الثانية - وهما الحلقتان الجديدتان في القصة في هذه السورة - لأنهما تكشفان عن تحدي القدرة السافرة للطغيان الباغي.وفيها يتجلى عجز قوة فرعون وحيلته وحذره عن دفع القدر المحتوم والقضاء النافذ: «وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ» .

وعلى طريقة القرآن في عرض القصة،قسمها إلى مشاهد وجعل بينها فجوات فنية يملؤها الخيال،فلا يفوت القارئ شيء من الأحداث والمناظر المتروكة بين المشهد والمشهد،مع الاستمتاع الفني بحركة الخيال الحية.وقد جاءت الحلقة الأولى في خمسة مشاهد.والحلقة الثانية في تسعة مشاهد والحلقة الثالثة في أربعة مشاهد.وبين الحلقة والحلقة فجوة كبيرة أو صغيرة.وبين كل مشهد ومشهد،كما يسدل الستار ويرفع عن المنظر أو المشهد.

وقبل أن يبدأ القصة يرسم الجو الذي تدور فيه الأحداث،والظرف الذي يجري فيه القصص،ويكشف عن الغاية المخبوءة وراء الأحداث،والتي من أجلها يسوق هذا القصص ..وهي طريقة من طرق العرض القرآني للقصة.تساوق موضوعها وأهدافها في هذا الموضع من القرآن: « إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا،يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ،يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ،وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ،إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً،وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ.وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ،وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ» ..

وهكذا يرسم المسرح الذي تجري فيه الحوادث،وتنكشف اليد التي تجريها.وتنكشف معها الغاية التي تتوخاها.وانكشاف هذه اليد،وبروزها سافرة بلا ستار منذ اللحظة الأولى مقصود في سياق القصة كلها،متمش مع أبرز هدف لها.ومن ثم تبدأ القصة هذا البدء.وذلك من بدائع الأداء في هذا الكتاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت