فهرس الكتاب

الصفحة 3413 من 4997

وأن هذا الهدى موصول بالقوة موصول بالعزة وأن هذا ليس وهما وليس قولا يقال لطمأنة القلوب إنما هو حقيقة عميقة منشؤها أن اتباع هدى اللّه معناه الاصطلاح مع ناموس الكون وقواه،والاستعانة بها وتسخيرها في الحياة.فاللّه خالق هذا الكون ومدبره وفق الناموس الذي ارتضاه له.والذي يتبع هدى اللّه يستمد مما في هذا الكون من قوى غير محدودة،ويأوي إلى ركن شديد،في واقع الحياة.

إن هدى اللّه منهج حياة صحيحة.حياة واقعة في هذه الأرض.وحين يتحقق هذا المنهج تكون له السيادة الأرضية إلى جانب السعادة الأخروية.وميزته أنه لا انفصال فيه بين طريق الدنيا وطريق الآخرة ولا يقتضي إلغاء هذه الحياة الدنيا أو تعطيلها ليحقق أهداف الحياة الآخرة.إنما هو يربطهما معا برباط واحد:صلاح القلب وصلاح المجتمع وصلاح الحياة في هذه الأرض.ومن ثم يكون الطريق إلى الآخرة.فالدنيا مزرعة الآخرة،وعمارة جنة هذه الأرض وسيادتها وسيلة إلى عمارة جنة الآخرة والخلود فيها.بشرط اتباع هدى اللّه.والتوجه إليه بالعمل والتطلع إلى رضاه.

وما حدث قط في تاريخ البشرية أن استقامت جماعة على هدى اللّه إلا منحها القوة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف بعد إعدادها لحمل هذه الأمانة.أمانة الخلافة في الأرض وتصريف الحياة.

وإن الكثيرين ليشفقون من اتباع شريعة اللّه والسير على هداه.يشفقون من عداوة أعداء اللّه ومكرهم،ويشفقون من تألب الخصوم عليهم،ويشفقون من المضايقات الاقتصادية وغير الاقتصادية! وإن هي إلا أوهام كأوهام قريش يوم قالت لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: «إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا» .

فلما اتبعت هدى اللّه سيطرت على مشارق الأرض ومغاربها في ربع قرن أو أقل من الزمان.

وقد رد اللّه عليهم في وقتها بما يكذب هذا العذر الموهوم.فمن الذي وهبهم الأمن؟ ومن الذي جعل لهم البيت الحرام؟ ومن الذي جعل القلوب تهوى إليهم تحمل من ثمرات الأرض جميعا؟ تتجمع في الحرم من كل أرض،وقد تفرقت في مواطنها ومواسمها الكثيرة: «أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا؟» ..فما بالهم يخافون أن يتخطفهم الناس لو اتبعوا هدى اللّه،واللّه هو الذي مكن لهم هذا الحرم الآمن منذ أيام أبيهم إبراهيم؟ أفمن أمنهم وهم عصاة،يدع الناس يتخطفونهم وهم تقاة؟! «وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ..لا يعلمون أين يكون الأمن وأين تكون المخافة.ولا يعلمون أن مرد الأمر كله للّه.

فأما إن أرادوا أن يتقوا المهالك حقا،وأن يأمنوا التخطف حقا،فها هي ذي علة الهلاك فليتقوها:

«وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا،وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ» ..

إن بطر النعمة،وعدم الشكر عليها،هو سبب هلاك القرى.وقد أوتوا من نعمة اللّه ذلك الحرم الآمن فليحذروا إذن أن يبطروا،وألا يشكروا،فيحل بهم الهلاك كما حل بالقرى التي يرونها ويعرفونها،ويرون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت