فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 4997

وحين يطول الأمد،ويشق الجهد،قد يضعف الصبر،أو ينفد،إذا لم يكن هناك زاد ومدد.ومن ثم يقرن الصلاة إلى الصبر فهي المعين الذي لا ينضب،والزاد الذي لا ينفد.المعين الذي يجدد الطاقة،والزاد الذي يزود القلب فيمتد حبل الصبر ولا ينقطع.ثم يضيف إلى الصبر،الرضى والبشاشة،والطمأنينة،والثقة،واليقين.

إنه لا بد للإنسان الفاني الضعيف المحدود أن يتصل بالقوة الكبرى،يستمد منها العون حين يتجاوز الجهد قواه المحدودة.حينما تواجهه قوى الشر الباطنة والظاهرة.حينما يثقل عليه جهد الاستقامة على الطريق بين دفع الشهوات وإغراء المطامع،وحينما تثقل عليه مجاهدة الطغيان والفساد وهي عنيفة.حينما يطول به الطريق وتبعد به الشقة في عمره المحدود،ثم ينظر فإذا هو لم يبلغ شيئا وقد أوشك المغيب،ولم ينل شيئا وشمس العمر تميل للغروب.حينما يجد الشر نافشا والخير ضاويا،ولا شعاع في الأفق ولا معلم في الطريق ..

هنا تبدو قيمة الصلاة ..إنها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوة الباقية.إنها الموعد المختار لالتقاء القطرة المنعزلة بالنبع الذي لا يغيض.إنها مفتاح الكنز الذي يغني ويقني ويفيض.إنها الانطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير إلى مجال الواقع الكوني الكبير.إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة،إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب المكدود ..ومن هنا كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إذا كان في الشدة قال: «أرحنا بها يا بلال» فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ:دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ،فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ،فَقَالَ:يَا جَارِيَتِي , ائْتِنِي بِوَضُوءٍ لِعَلِّي أَتَوَضَّأُ فَأَسْتَرِيحَ،فَرَآنَا أَنْكَرْنَا ذَلِكَ،أَوْ فَكَأَنَّهُ رَآنَا أَنْكَرْنَا ذَلِكَ،فَقَالَ:سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"قُمْ يَا بِلَالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ" [1]

وعن عَبْدِ اللَّهِ بنِ مُحَمَّدِ بن الْحَنَفِيَّةِ،قَالَ:انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى صِهْرٍ لَنَا مِنْ أَسْلَمَ،مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،يَقُولُ:"أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلالُ الصَّلاةَ"،قَالَ:قُلْتُ:أَسَمِعْتَ ذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ فَغَضِبَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ يُحَدِّثُهُمْ:أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ رَجُلا إِلَى حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ،فَلَمَّا أَتَاهُمْ،قَالَ:إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَنِي أَنْ أَحْكُمَ فِي نِسَائِكُمْ بِمَا شِئْتُ،فَقَالُوا:سَمْعًا وَطَاعَةً لأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَبَعَثُوا رَجُلا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالُوا:إِنَّ فُلانًا جَاءَنَا،فَقَالَ:إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَنِي أَنْ أَحْكُمَ فِي نِسَائِكُمْ بِمَا شِئْتُ،فَإِنْ كَانَ أَمْرَكَ فَسَمْعًا وَطَاعَةً،وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَأَحْبَبْنَا أَنْ نُعْلِمَكَ،فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَبَعَثَ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ،وَقَالَ:اذْهَبْ إِلَى فُلانٍ فَاقْتُلْهُ وأَحْرِقْهُ

(1) - شرح مشكل الآثار - (14 / 167) (5549 ) صحيح

قال الطحاوي:"فإنْ أَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مُنْكِرٌ، وَقَالَ:كَيْفَ تَقْبَلُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمْرَهُ بِأَنْ يُرَاحَ مِنَ الصَّلَاةِ ؟، فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ:أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ أَنْ يُرَاحَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ كَذَلِكَ، لَأَنْكَرْنَاهُ كَمَا أَنْكَرَهُ، وَلَكِنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ أَمْرُهُ - صلى الله عليه وسلم - بِلَالًا أَنْ يُرِيحَهُ بِالصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِهَا إِذْ كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ قُرَّةَ عَيْنِهِ، فَأَمَرَ أَنْ يُرَاحَ بِهَا مِمَّا سِوَاهَا مِمَّا لَيْسَ مَنْزِلَتُهُ كَمَنْزِلَتِهَا، وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ مَعْقُولٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِذَلِكَ، مَا هُوَ مِمَّا يُشْبِهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي أُمُورِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَفِي أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَفِي التَّمَسُّكِ بِهَا، وَفِي غَلَبَتِهَا عَلَى قَلْبِهِ، وَفِي أَنْ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ مِثْلُهَا، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ"شرح مشكل الآثار [14 /167]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت