أما حقيقة هذه الأيام الستة المذكورة في القرآن فعلمها عند اللّه ولا سبيل لنا إلى تحديدها وتعيين مقدارها.فهي من أيام اللّه التي يقول عنها: «وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ» ..تلك الأيام الستة قد تكون ستة أطوار مرت بها السماوات والأرض وما بينهما حتى انتهت إلى ما هي عليه.أو ستة مراحل في النشأة والتكوين.أو ستة أدهار لا يعلم ما بين أحدها والآخر إلا اللّه ..وهي على أية حال شيء آخر غير الأيام الأرضية التي تعارف عليها أبناء الفناء.فلنأخذها كما هي غيبا من غيب اللّه لا سبيل إلى معرفته على وجه التحديد.إنما يقصد التعبير إلى تقرير التدبير والتقدير في الخلق،وفق حكمة اللّه وعلمه.وإحسانه لكل شيء خلقه في الزمن والمراحل والأطوار المقدرة لهذا الخلق العظيم. «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» ..
والاستواء على العرش رمز لاستعلائه على الخلق كله.أما العرش ذاته فلا سبيل إلى قول شيء عنه،ولا بد من الوقوف عند لفظه.وليس كذلك الاستواء.فظاهر أنه كناية عن الاستعلاء [1] .ولفظ ..ثم،لا يمكن قطعا أن يكون للترتيب الزمني،لأن اللّه سبحانه - لا تتغير عليه الأحوال.ولا يكون في حال أو وضع - سبحانه - ثم يكون في حال أو وضع تال.إنما هو الترتيب المعنوي.فالاستعلاء درجة فوق الخلق،يعبر عنها هذا التعبير.
وفي ظلال الاستعلاء المطلق يلمس قلوبهم بالحقيقة التي تمسهم: «ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ» ..وأين؟ ومن؟ وهو سبحانه المسيطر على العرش والسماوات والأرض وما بينهما؟ وهو خالق السماوات والأرض وما بينهما؟ فأين هو الولي من دونه؟ وأين هو الشفيع الخارج على سلطانه؟
«أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ؟» ..وتذكر هذه الحقيقة يرد القلب إلى الإقرار باللّه،والاتجاه إليه وحده دون سواه.
ومع الخلق والاستعلاء ..التدبير والتقدير ..في الدنيا والآخرة ..فكل أمر يدبر في السماوات والأرض وما بينهما يرفع إليه سبحانه في يوم القيامة،ويرجع إليه مآله في ذلك اليوم الطويل: «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ.ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ» ..
والتعبير يرسم مجال التدبير منظورا واسعا شاملا: «مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ» ليلقي على الحس البشري الظلال التي يطيقها ويملك تصورها ويخشع لها.وإلا فمجال تدبير اللّه أوسع وأشمل من السماء إلى الأرض.ولكن الحس البشري حسبه الوقوف أمام هذا المجال الفسيح،ومتابعة التدبير شاملا لهذه الرقعة الهائلة التي لا يعرف حتى الأرقام التي تحدد مداها! ثم يرتفع كل تدبير وكل تقدير بمآله ونتائجه وعواقبه.يرتفع إليه سبحانه في علاه في اليوم الذي قدره لعرض مآلات الأعمال والأقوال،والأشياء والأحياء «فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ» ..وليس شيء من هذا كله متروكا سدى ولا
(1) -قلت:هذا التفسير اللائق بمثل هذه الآية ،ففي التفسير الميسر:"...ثم استوى سبحانه وتعالى -أي علا وارتفع- على عرشه استواء يليق بجلاله،لا يكيَّف،ولا يشبَّه باستواء المخلوقين...."التفسير الميسر [7 /283]