فهرس الكتاب

الصفحة 3542 من 4997

وكان في هذا من القسوة ما فيه وكان طرفا من سوء معاملة المرأة في الجاهلية والاستبداد بها،وسومها كل مشقة وعنت.فلما أخذ الإسلام يعيد تنظيم العلاقات الاجتماعية في محيط الأسرة ويعتبر الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأولى ويوليها من عنايته ما يليق بالمحضن الذي تنشأ فيه الأجيال ..جعل يرفع عن المرأة هذا الخسف وجعل يصرف تلك العلاقات بالعدل واليسر.وكان مما شرعه هذه القاعدة: «وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ» ..فإن قولة باللسان لا تغير الحقيقة الواقعة،وهي أن الأم أم والزوجة زوجة ولا تتحول طبيعة العلاقة بكلمة! ومن ثم لم يعد الظهار تحريما أبديا كتحريم الأم كما كان في الجاهلية.

وقد روي أن إبطال عادة الظهار شرع فيما نزل من «سورة المجادلة» عَنْ عُرْوَةَ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا:تَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِى وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَىْءٍ إِنِّى لأَسْمَعُ كَلاَمَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ وَيَخْفَى عَلَىَّ بَعْضُهُ وَهِىَ تَشْتَكِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - زَوْجَهَا وَهِىَ تَقُولُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلَ شَبَابِى وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِى حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّى وَانْقَطَعَ لَهُ وَلَدِى ظَاهَرَ مِنِّى اللَّهُمَّ إِنِّى أَشْكُو إِلَيْكَ.قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا:فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِهَؤُلاَءِ الآيَاتِ «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ،وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما،إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ.الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ،إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ،وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا.وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ.وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ - مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا - ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ.وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا.ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ» قَالَ:وَزَوْجُهَا أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ [1] ..

فجعل الظهار تحريما مؤقتا للوطء - لا مؤبدا ولا طلاقا - كفارته عتق رقبة،أو صيام شهرين متتابعين،أو إطعام ستين مسكينا.وبذلك تحل الزوجة مرة أخرى،وتعود الحياة الزوجية لسابق عهدها.ويستقر الحكم الثابت المستقيم على الحقيقة الواقعة: « وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ» ..وتسلم الأسرة من التصدع بسبب تلك العادة الجاهلية،التي كانت تمثل طرفا من سوم المرأة الخسف والعنت،ومن اضطراب علاقات الأسرة وتعقيدها وفوضاها،تحت نزوات الرجال وعنجهيتهم في المجتمع الجاهلي.

هذه مسألة الظهار.فأما مسألة التبني،ودعوة الأبناء إلى غير آبائهم،فقد كانت كذلك تنشأ من التخلخل في بناء الأسرة،وفي بناء المجتمع كله.ومع ما هو مشهور من الاعتزاز بالعفة في المجتمع

(1) -السنن الكبرى للبيهقي-حيدر آباد [7 /382] (15637) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت