فهرس الكتاب

الصفحة 3546 من 4997

بيوت،وظل آخرون فيها على الشرك.فانبتت العلاقة بينهم وبين قرابتهم.ووقع على أية حال تخلخل في الروابط العائلية وتخلخل أوسع منه في الارتباطات الاجتماعية .

وكان المجتمع الإسلامي لا يزال وليدا،والدولة الإسلامية الناشئة أقرب إلى أن تكون فكرة مسيطرة على النفس،من أن تكون نظاما مستندا إلى أوضاع مقررة.

هنا ارتفعت موجة من المد الشعوري للعقيدة الجديدة،تغطي على كل العواطف والمشاعر،وكل الأوضاع والتقاليد،وكل الصلات والروابط.لتجعل العقيدة وحدها هي الوشيجة التي تربط القلوب،وتربط - في الوقت ذاته - الوحدات التي انفصلت عن أصولها الطبيعية في الأسرة والقبيلة فتقوم بينها مقام الدم والنسب،والمصلحة والصداقة والجنس واللغة وتمزج بين هذه الوحدات الداخلة في الإسلام،فتجعل منها كتلة حقيقية متماسكة متجانسة متعاونة متكافلة.لا بنصوص التشريع،ولا بأوامر الدولة ولكن بدافع داخلي ومد شعوري.

يتجاوز كل ما ألفه البشر في حياتهم العادية.وقامت الجماعة الإسلامية على هذا الأساس،حيث لم يكن مستطاعا أن تقوم على تنظيم الدولة وقوة الأوضاع.

نزل المهاجرون على إخوانهم الأنصار،الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم فاستقبلوهم في دورهم وفي قلوبهم،وفي أموالهم.وتسابقوا إلى إيوائهم وتنافسوا فيهم حتى لم ينزل مهاجري في دار أنصاري إلا بقرعة.إذ كان عدد المهاجرين أقل من عدد الراغبين في إيوائهم من الأنصار.وشاركوهم كل شيء عن رضى نفس،وطيب خاطر،وفرح حقيقي مبرأ من الشح الفطري،كما هو مبرأ من الخيلاء والمراءاة! وآخى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بين رجال من المهاجرين ورجال من الأنصار.وكان هذا الإخاء صلة فريدة في تاريخ التكافل بين أصحاب العقائد.وقام هذا الإخاء مقام أخوة الدم،فكان يشمل التوارث والالتزامات الأخرى الناشئة عن وشيجة النسب كالديات وغيرها.

وارتفع المد الشعوري في هذا إلى ذروة عالية وأخذ المسلمون هذه العلاقة الجديدة مأخذ الجد - شأنهم فيها شأنهم في كل ما جاءهم به الإسلام - وقام هذا المد في إنشاء المجتمع الإسلامي وحياطته مقام الدولة المتمكنة والتشريع المستقر والأوضاع المسلمة.بل بما هو أكثر.وكان ضروريا لحفظ هذه الجماعة الوليدة وتماسكها في مثل تلك الظروف الاستثنائية المتشابكة التي قامت فيها.

وإن مثل هذا المد الشعوري لضروري لنشأة كل جماعة تواجه مثل تلك الظروف،حتى توجد الدولة المتمكنة والتشريع المستقر والأوضاع المسلمة،التي توفر الضمانات الاستثنائية لحياة تلك الجماعة ونموها وحمايتها.وذلك إلى أن تنشأ الأحوال والأوضاع الطبيعية.

وإن الإسلام - مع حفاوته بذلك المد الشعوري،واستبقاء ينابيعه في القلب مفتوحة دائما فوارة دائما،مستعدة للفيضان.لحريص على أن يقيم بناءه على أساس الطاقة العادية،للنفس البشرية لا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت