وليست هذه كلمة تقال،ولكنها مرتقى عال،لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية مباشرة تفتحه على هذا الأفق السامي الوضيء الذي يخلص فيه من جاذبية الذات وحبها المتوشج بالحنايا والشعاب.فإن الإنسان ليحب ذاته ويحب كل ما يتعلق بها حبا فوق ما يتصور،وفوق ما يدرك! وإنه ليخيل إليه أحيانا أنه طوّع مشاعره،وراض نفسه،وخفض من غلوائه في حب ذاته،ثم ما يكاد يمس في شخصيته بما يخدش اعتزازه بها،حتى ينتفض فجأة كما لو كانت قد لدغته أفعى! ويحس لهذه المسة لذعا لا يملك انفعاله معه،فإن ملكه كمن في مشاعره،وغار في أعماقه! ولقد يروض نفسه على التضحية بحياته كلها ولكنه يصعب عليه أن يروضها على تقبل المساس بشخصيته فيما يعده تصغيرا لها،أو عيبا لشيء من خصائصها،أو نقدا لسمة من سماتها،أو تنقصا لصفة من صفاتها.وذلك رغم ما يزعمه صاحبها من عدم احتفاله أو تأثره!
والتغلب على هذا الحب العميق للذات ليس كلمة تقال باللسان،إنما هو كما قلنا مرتقى عال لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية أو بمحاولة طويلة ومرانة دائمة،ويقظة مستمرة ورغبة مخلصة تستنزل عون اللّه ومساعدته.
وهي الجهاد الأكبر كما سماه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويكفي أن عمر - وهو من هو - قد احتاج فيها إلى لفتة من النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت هي اللمسة التي فتحت هذا القلب الصافي.
وتشمل الولاية العامة كذلك التزاماتهم.جاء في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ هَلَكَ وَتَرَكَ مَالًا،فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا،وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا،أَوْ ضَيَاعًا،فَلْيَأْتِنِي فَإِنِّي مَوْلاَهُ [1] ..
والمعنى أنه يؤدي عنه دينه إن مات وليس له مال يفي بدينه ويعول عياله من بعده إن كانوا صغارا.
وفيما عدا هذا فإن الحياة تقوم على أصولها الطبيعية التي لا تحتاج إلى مد شعوري عال،ولا إلى فورة شعورية استثنائية.مع الإبقاء على صلات المودة بين الأولياء بعد إلغاء نظام الإخاء.فلا يمتنع أن يوصي الولي لوليه بعد مماته أو أن يهبه في حياته .. «إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا» ..
ويشد هذه الإجراءات كلها إلى العروة الأولى،ويقرر أن هذه إرادة اللّه التي سبق بها كتابه الأزلي: «كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا» ..فتقر القلوب وتطمئن وتستمسك بالأصل الكبير الذي يرجع إليه كل تشريع وكل تنظيم.بذلك تستوي الحياة على أصولها الطبيعية وتسير في يسر وهوادة ولا تظل معلقة مشدودة إلى آفاق لا تبلغها عادة إلا في فترات استثنائية محدودة في حياة الجماعات والأفراد.
ثم يستبقي الإسلام ذلك الينبوع الفياض على استعداد للتفجر والفيضان،كلما اقتضت ذلك ضرورة طارئة في حياة الجماعة المسلمة.
(1) -مسند أحمد (عالم الكتب) [3 /280] (8418) 8399 وصحيح البخارى- المكنز [9 /16] (2399 )