فهرس الكتاب

الصفحة 3559 من 4997

إن النص القرآني معد للعمل - لا في وسط أولئك الذين عاصروا الحادث وشاهدوه فحسب.ولكن كذلك للعمل في كل وسط بعد ذلك وفي كل تاريخ.معد للعمل في النفس البشرية إطلاقا كلما واجهت مثل ذلك الحادث أو شبهه في الآماد الطويلة،والبيئات المنوعة.بنفس القوة التي عمل بها في الجماعة الأولى.

ولا يفهم النصوص القرآنية حق الفهم إلا من يواجه مثل الظروف التي واجهتها أول مرة.هنا تنفتح النصوص عن رصيدها المذخور،وتتفتح القلوب لإدراك مضامينها الكاملة.وهنا تتحول تلك النصوص من كلمات وسطور إلى قوى وطاقات.وتنتفض الأحداث والوقائع المصورة فيها.تنتفض خلائق حية،موحية،دافعة،دافقة،تعمل في واقع الحياة،وتدفع بها إلى حركة حقيقية،في عالم الواقع وعالم الضمير.

إن القرآن ليس كتابا للتلاوة ولا للثقافة ..وكفى ..إنما هو رصيد من الحيوية الدافعة وإيحاء متجدد في المواقف والحوادث! ونصوصه مهيأة للعمل في كل لحظة،متى وجد القلب الذي يتعاطف معه ويتجاوب،ووجد الظرف الذي يطلق الطاقة المكنونة في تلك النصوص ذات السر العجيب! وإن الإنسان ليقرأ النص القرآني مئات المرات ثم يقف الموقف،أو يواجه الحادث،فإذا النص القرآني جديد،يوحي إليه بما لم يوح من قبط قط،ويجيب على السؤال الحائر،ويفتي في المشكلة المعقدة،ويكشف الطريق الخافي،ويرسم الاتجاه القاصد،ويفيء بالقلب إلى اليقين الجازم في الأمر الذي يواجهه،وإلى الاطمئنان العميق.وليس ذلك لغير القرآن في قديم ولا حديث.

يبدأ السياق القرآني الحديث عن حادث الأحزاب بتذكير المؤمنين بنعمة اللّه عليهم أن رد عنهم الجيش الذي همّ أن يستأصلهم،لولا عون اللّه وتدبيره اللطيف.ومن ثم يجمل في الآية الأولى طبيعة ذلك الحادث،وبدءه ونهايته،قبل تفصيله وعرض مواقفه.لتبرز نعمة اللّه التي يذكرهم بها،ويطلب إليهم أن يتذكروها وليظهر أن اللّه الذي يأمر المؤمنين باتباع وحيه،والتوكل عليه وحده،وعدم طاعة الكافرين والمنافقين،هو الذي يحمي القائمين على دعوته ومنهجه،من عدوان الكافرين والمنافقين: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ،فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها،وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا» ..وهكذا يرسم في هذه البداءة المجملة بدء المعركة وختامها،والعناصر الحاسمة فيها ..مجيء جنود الأعداء.

وإرسال ريح اللّه وجنوده التي لم يرها المؤمنون.ونصر اللّه المرتبط بعلم اللّه بهم،وبصره بعملهم.

ثم يأخذ بعد هذا الإجمال في التفصيل والتصوير:«إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ،وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ،وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا.هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا.وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا.وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت