خير منا! هنالك العروة الوثقى.عروة السماء.وعلينا أن نستمسك بها لننهض من الكبوة،ونسترد الثقة والطمأنينة،ونتخذ من الزلزال بشيرا بالنصر.فنثبت ونستقر،ونقوى ونطمئن،ونسير في الطريق ..
وهذا هو التوازن الذي صاغ ذلك النموذج الفريد في صدر الإسلام.النموذج الذي يذكر عنه القرآن الكريم مواقفه الماضية وحسن بلائه وجهاده،وثباته على عهده مع اللّه،فمنهم من لقيه،ومنهم من ينتظر أن يلقاه: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ.فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ.وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» ..
هذا في مقابل ذلك النموذج الكريه.نموذج الذين عاهدوا اللّه من قبل لا يولون الأدبار.ثم ولم يوفوا بعهد اللّه: «وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا» ..
روى الإمام أحمد عَنْ ثَابِتٍ،قَالَ:قَالَ أَنَسٌ عَمِّي،قَالَ هَاشِمٌ:أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ،سُمِّيتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ بَدْرٍ،قَالَ:فَشَقَّ عَلَيْهِ وَقَالَ:فِي أَوَّلِ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:غِبْتُ عَنْهُ لَئِنْ أَرَانِي اللَّهُ مَشْهَدًا فِيمَا بَعْدُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ .قَالَ:فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا،قَالَ:فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ:فَاسْتَقْبَلَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ قَالَ:فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ:يَا أَبَا عَمْرٍو أَيْنَ ؟ قَالَ:وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ ؟ قَالَ:فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ،فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ ؟ قَالَ:فَقَالَتْ أُخْتُهُ عَمَّتِي الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ:فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلاَّ بِبَنَانِهِ،وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} قَالَ:فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ. [1]
وهذه الصورة الوضيئة لهذا النموذج من المؤمنين تذكر هنا تكملة لصورة الإيمان،في مقابل صورة النفاق والضعف ونقض العهد من ذلك الفريق.لتتم المقابلة في معرض التربية بالأحداث وبالقرآن.
ويعقب عليها ببيان حكمة الابتلاء ،وعاقبة النقض والوفاء وتفويض الأمر في هذا كله لمشيئة اللّه: «لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ،وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ - إِنْ شاءَ - أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ.إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا» ..ومثل هذا التعقيب يتخلل تصوير الحوادث والمشاهد - ليرد الأمر كله إلى اللّه،ويكشف عن حكمة الأحداث والوقائع.فليس شيء منها عبثا ولا مصادفة.إنما تقع وفق حكمة مقدرة،وتدبير قاصد.وتنتهي إلى ما شاء اللّه من العواقب.وفيها تتجلى رحمة اللّه بعباده.ورحمته ومغفرته أقرب وأكبر: «إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا» ..
الدرس السابع:26-27 لقطة من إبادة يهود بني قريظة
(1) -مسند أحمد (عالم الكتب) [4 /502] (13015) 13046 صحيح