فهرس الكتاب

الصفحة 3581 من 4997

نفسه حين كانت تقدم إليه عفوا بلا تكلف،وتحصل بين يديه مصادفة واتفاقا،لا جريا وراءها ولا تشهيا لها،ولا انغماسا فيها ولا انشغالا بها ..ولم يكلف أمته كذلك أن تعيش عيشته التي اختارها لنفسه،إلا أن يختارها من يريد،استعلاء على اللذائذ والمتاع،وانطلاق ا من ثقلتها إلى حيث الحرية التامة من رغبات النفس وميولها.

ولكن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - كن نساء،من البشر،لهن مشاعر البشر.وعلى فضلهن وكرامتهن وقربهن من ينابيع النبوة الكريمة،فإن الرغبة الطبيعية في متاع الحياة ظلت حية في نفوسهن.فلما أن رأين السعة والرخاء بعد ما أفاض اللّه على رسوله وعلى المؤمنين راجعن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر النفقة.

فلم يستقبل هذه المراجعة بالترحيب،إنما استقبلها بالأسى وعدم الرضى إذ كانت نفسه - صلى الله عليه وسلم - ترغب في أن تعيش فيما اختاره لها من طلاقه وارتفاع ورضى متجردة من الانشغال بمثل ذلك الأمر والاحتفال به أدنى احتفال وأن تظل حياته وحياة من يلوذون به على ذلك الأفق السامي الوضيء المبرأ من كل ظل لهذه الدنيا وأوشابها.لا بوصفه حلالا وحراما - فقد تبين الحلال والحرام - ولكن من ناحية التحرر والانطلاق والفكاك من هواتف هذه الأرض الرخيصة! ولقد بلغ الأسى برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من مطالبة نسائه له بالنفقة أن احتجب عن أصحابه.

وكان احتجابه عنهم أمرا صعبا عليهم يهون كل شيء دونه.وجاءوا فلم يؤذن لهم.روى الإمام أحمد عَنْ جَابِرٍ،قَالَ:أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَالنَّاسُ بِبَابِهِ جُلُوسٌ،فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ،ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ،فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ،ثُمَّ أُذِنَ لأَبِي بَكْرٍ،وَعُمَرَ فَدَخَلاَ وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - جَالِسٌ،وَحَوْلَهُ نِسَاؤُهُ وَهُوَ سَاكِتٌ،فَقَالَ عُمَرُ:لأُكَلِّمَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَعَلَّهُ يَضْحَكُ،فَقَالَ عُمَرُ:يَا رَسُولَ اللهِ،لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ زَيْدٍ،امْرَأَةَ عُمَرَ،سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ آنِفًا،فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا،فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى بَدَا نَاجِذُهُ،قَالَ:هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ،فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ لِيَضْرِبَهَا،وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ كِلاَهُمَا يَقُولاَنِ:تَسْأَلاَنِ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا لَيْسَ عِنْدَهُ،فَنَهَاهُمَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقُلْنَ نِسَاؤُهُ:وَاللَّهِ لاَ نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ،قَالَ:وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخِيَارَ،فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ،فَقَالَ:إِنِّي ذاكِرٌ لَكِ أَمْرًا،مَا أُحِبُّ أَنْ تَعْجَلِي فِيهِ،حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ،قَالَتْ:مَا هُوَ ؟ قَالَ:فَتَلاَ عَلَيْهَا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ} الآيَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ:أَفِيكَ أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ،وَأَسْأَلُكَ أَنْ لاَ تَذْكُرَ لاِمْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِكَ مَا اخْتَرْتُ،فَقَالَ:إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّفًا،وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا،لاَ تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ عَمَّا اخْتَرْتِ إِلاَّ أَخْبَرْتُهَا. [1]

وفي رواية البخاري عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ رضى الله عنها زَوْجَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَاءَهَا حِينَ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ،فَبَدَأَ بِى

(1) -مسند أحمد (عالم الكتب) [5 /99] (14515) 14569 صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت