فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 4997

التوكيد،يتوحد المعبود الذي يتجه إليه الخلق بالعبودية والطاعة وتتوحد الجهة التي يتلقى منها الخلق قواعد الأخلاق والسلوك ويتوحد المصدر الذي يتلقى منه الخلق أصول الشرائع والقوانين ويتوحد المنهج الذي يصرف حياة الخلق في كل طريق.

وهنا والسياق يستهدف إعداد الأمة المسلمة لدورها العظيم في الأرض،يعيد ذكر هذه الحقيقة التي تكرر ذكرها مرات ومرات في القرآن المكي،والتي ظل القرآن يعمق جذورها ويمد في آفاقها حتى تشمل كل جوانب الحس والعقل،وكل جوانب الحياة والوجود ...يعيد ذكر هذه الحقيقة ليقيم على أساسها سائر التشريعات والتكاليف ..ثم يذكر من صفات اللّه هنا: «الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ» ..فمن رحمته السابغة العميقة الدائمة تنبثق كل التشريعات والتكاليف.

وهذا الكون كله شاهد بالوحدانية وبالرحمة في كل مجاليه: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ،وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ،وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ.وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ،وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» ..

وهذه الطريقة في تنبيه الحواس والمشاعر جديرة بأن تفتح العين والقلب على عجائب هذا الكون.العجائب التي تفقدنا الألفة جدتها وغرابتها وإيحاءاتها للقلب والحس،وهي دعوة للإنسان أن يرتاد هذا الكون كالذي يراه أول مرة مفتوح العين،متوفز الحس،حي القلب.وكم في هذه المشاهد المكرورة من عجيب وكم فيها من غريب.وكم اختلجت العيون والقلوب وهي تطلع عليها أول مرة ثم ألفتها ففقدت هزة المفاجأة،ودهشة المباغتة،وروعة النظرة الأولى إلى هذا المهرجان العجيب.

تلك السماوات والأرض ..هذه الأبعاد الهائلة والأجرام الضخمة والآفاق المسحورة،والعوالم المجهولة ..

هذا التناسق في مواقعها وجريانها في ذلك الفضاء الهائل الذي يدير الرؤوس ..هذه الأسرار التي توصوص للنفس وتلتف في رداء المجهول ..هذه السماوات والأرض حتى دون أن يعرف الإنسان شيئا عن حقيقة أبعادها وأحجامها وأسرارها التي يكشف اللّه للبشر عن بعضها حينما تنمو مداركهم وتسعفهم أبحاث العلوم ..

واختلاف الليل والنهار ..تعاقب النور والظلام ..توالي الإشراق والعتمة.ذلك الفجر وذلك الغروب ..

كم اهتزت لها مشاعر،وكم وجفت لها قلوب،وكم كانت أعجوبة الأعاجيب ..ثم فقد الإنسان وهلتها وروعتها مع التكرار.إلا القلب المؤمن الذي تتجدد في حسه هذه المشاهد ويظل أبدا يذكر يد اللّه فيها فيتلقاها في كل مرة بروعة الخلق الجديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت