فهرس الكتاب

الصفحة 3635 من 4997

وداود عبد منيب،كالذي ختم بذكره الشوط الأول: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ» ..والسياق يعقب بقصته بعد تلك الإشارة ويقدم لها بذكر ما آتاه اللّه له من الفضل.ثم يبين هذا الفضل: «يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ» ..

وتذكر الروايا أن داود عليه السّلام أوتي صوتا جميلا خارقا في الجمال كان يرتل به مزاميره،وهي تسابيح دينية،ورد منها في كتاب «العهد القديم» ما اللّه أعلم بصحته.وفي الصحيح عن عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ،عَنْ أَبِيهِ،أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ الْمَسْجِدَ،فَأَخَذَ بِيَدِي فَدَخَلْتُ مَعَهُ،فَإِذَا رَجُلٌ يَقْرَأُ وَيُصَلِّي قَالَ:لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ وَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ،قَالَ:قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ فَأُخْبِرُهُ ؟ قَالَ:فَأَخْبَرْتُهُ .فَقَالَ:لَمْ تَزَلْ لِي صَدِيقًا [1] .

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قِرَاءَةَ أَبِى مُوسَى فَقَالَ « لَقَدْ أُوتِىَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ » [2] .

والآية تصور من فضل اللّه على داود - عليه السّلام - أنه قد بلغ من الشفافية والتجرد في تسابيحه أن انزاحت الحجب بينه وبين الكائنات فاتصلت حقيقتها بحقيقته،في تسبيح بارئها وبارئه ورجّعت معه الجبال والطير،إذ لم يعد بين وجوده ووجودها فاصل ولا حاجز،حين اتصلت كلها باللّه صلة واحدة مباشرة تنزاح معها الفوارق بين نوع من خلق اللّه ونوع،وبين كائن من خلق اللّه وكائن وترتد كلها إلى حقيقتها اللدنية الواحدة،التي كانت تغشى عليها الفواصل والفوارق فإذا هي تتجاوب في تسبيحها للخالق،وتتلاقى في نعمة واحدة،وهي درجة من الإشراق والصفاء والتجرد لا يبلغها أحد إلا بفضل من اللّه،يزيح عنه حجاب كيانه المادي،ويرده إلى كينونته اللدنية التي يلتقي فيها بهذا الوجود،وكل ما فيه وكل من فيه بلا حواجز ولا سدود.

وحين انطلق صوت داود - عليه السّلام - يرتل مزاميره ويمجد خالقه،رجّعت معه الجبال والطير،وتجاوب الكون بتلك الترانيم السارية في كيانه الواحد،المتجهة إلى بارئه الواحد ..وإنها للحظات عجيبة لا يتذوقها إلا من عنده بها خبر،ومن جرب نوعها ولو في لحظة من حياته!

«وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ» .وهو طرف آخر من فضل اللّه عليه.وفي ظل هذا السياق يبدو أن الأمر كان خارقة ليست من مألوف البشر.

فلم يكن الأمر أمر تسخين الحديد حتى يلين ويصبح قابلا للطرق،إنما كان - واللّه أعلم - معجزة يلين بها الحديد من غير وسيلة اللين المعهودة.وإن كان مجرد الهداية لإلانة الحديد بالتسخين يعد فضلا من اللّه يذكر.ولكننا إنما نتأثر جو السياق وظلاله وهو جو معجزات،وهي ظلال خوارق خارجة على المألوف. «أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ» .والسابغات الدروع.روي أنها كانت تعمل قبل

(1) -مسند أحمد (عالم الكتب) [7 /641] (23033) 23421 صحيح

(2) -سنن النسائي- المكنز [4 /156] (1029 ) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت