فهرس الكتاب

الصفحة 3673 من 4997

والكلمة تنمو وتمتد وتثمر كما تنمو الشجرة وتمتد وتثمر سواء بسواء! وقد كان المشركون يشركون استبقاء لمكانتهم الدينية في مكة،وما يقوم عليها من سيادة لقريش على القبائل بحكم العقيدة،وما تحققه هذه السيادة من مغانم متعددة الألوان.العزة والمنعة في أولها بطبيعة الحال.مما جعلهم يقولون: «إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا» ..فاللّه يقول لهم: «مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا» وهذه الحقيقة كفيلة حين تستقر في القلوب أن تبدل المعايير كلها،وتبدل الوسائل والخطط أيضا! إن العزة كلها للّه.وليس شيء منها عند أحد سواه.فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره.ليطلبها عند اللّه،فهو واجدها هناك وليس بواجدها عند أحد،ولا في أي كنف،ولا بأي سبب «فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا» ..

إن الناس الذين كانت قريش تبتغي العزة عندهم بعقيدتها الوثنية المهلهلة وتخشى اتباع الهدى - وهي تعترف أنه الهدى - خشية أن تصاب مكانتها بينهم بأذى.إن الناس هؤلاء القبائل والعشائر وما إليها،إن هؤلاء ليسوا مصدرا للعزة،ولا يملكون أن يعطوها أو يمنعوها «فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا» ..وإذا كانت لهم قوة فمصدرها الأول هو اللّه.وإذا كانت لهم منعة فواهبها هو اللّه.وإذن فمن كان يريد العزة والمنعة فليذهب إلى المصدر الأول،لا إلى الآخذ المستمد من هذا المصدر.ليأخذ من الأصل الذي يملك وحده كل العزة،ولا يذهب يطلب قمامة الناس وفضلاتهم.وهم مثله طلاب محاويج ضعاف! إنها حقيقة أساسية من حقائق العقيدة الإسلامية.وهي حقيقة كفيلة بتعديل القيم والموازين،وتعديل الحكم والتقدير،وتعديل النهج والسلوك،وتعديل الوسائل والأسباب! ويكفي أن تستقر هذه الحقيقة وحدها في أي قلب لتقف به أمام الدنيا كلها عزيزا كريما ثابتا في وقفته غير مزعزع،عارفا طريقه إلى العزة،طريقه الذي ليس هنالك سواه!

إنه لن يحني رأسه لمخلوق متجبر.ولا لعاصفة طاغية.ولا لحدث جلل.ولا لوضع ولا لحكم.ولا لدولة ولا لمصلحة،ولا لقوة من قوى الأرض جميعا.وعلام؟ والعزة للّه جميعا.وليس لأحد منها شيء إلا برضاه؟ ومن هنا يذكر الكلم الطيب والعمل الصالح: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» ..ولهذا التعقيب المباشر بعد ذكر الحقيقة الضخمة مغزاه وإيحاؤه.فهو إشارة إلى أسباب العزة ووسائلها لمن يطلبها عند اللّه.القول الطيب والعمل الصالح.القول الطيب الذي يصعد إلى اللّه في علاه والعمل الصالح الذي يرفعه اللّه إليه ويكرمه بهذا الارتفاع.ومن ثم يكرم صاحبه ويمنحه العزة والاستعلاء.

والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس.حقيقة تستقر في القلب فيستعلي بها على كل أسباب الذلة والانحناء لغير اللّه.حقيقة يستعلي بها على نفسه أول ما يستعلي.يستعلي بها على شهواته المذلة،ورغائبه القاهرة،ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس.ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه.فإنما تذل الناس شهواتهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت