فهرس الكتاب

الصفحة 3677 من 4997

ويمضي السياق إلى لفتة أخرى في هذه الجولة الكونية المتعددة اللفتات.يمضي إلى مشهد الماء في هذه الأرض من زاوية معينة.زاوية تنويع الماء.فهذا عذب سائغ،وهذا ملح مر.وكلاهما يفترقان ويلتقيان - بتسخير اللّه - في خدمة الإنسان: « وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ ..هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ،وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ..وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها.وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ.لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ،وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» ..

إن إرادة التنويع في خلق الماء واضحة ووراءها حكمة - فيما نعلم - ظاهرة فأما الجانب العذب السائغ اليسير التناول فنحن نعرف جانبا من حكمة اللّه فيما نستخدمه وننتفع به وهو قوام الحياة لكل حي.وأما الجانب الملح المر وهو البحار والمحيطات فيقول أحد العلماء في بيان التقدير العجيب في تصميم هذا الكون الضخم:

«وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور - ومعظمها سام - فإن الهواء باق دون تلويث في الواقع،ودون تغير في نسبة المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان.وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء - أي المحيط - الذي استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل،والنباتات.وأخيرا الإنسان نفسه ..» [1] .

وهذا بعض ما تكشف لنا من حكمة الخلق والتنويع،واضح فيه القصد والتدبير،ومنظور فيه إلى تناسقات وموازنات يقوم بعضها على بعض في حياة هذا الكون ونظامه.ولا يصنع هذا إلا اللّه خالق هذا الكون وما فيه ومن فيه.فإن هذا التنسيق الدقيق لا يجيء مصادفة واتفاقا بحال من الأحوال.والإشارة إلى اختلاف البحرين توحي بمعنى القصد في هذه التفرقة وفي كل تفرقة أخرى.وستأتي في السورة إشارات إلى نماذج منها في عالم المشاعر والاتجاهات والقيم والموازين.

ثم يلتقي البحران المختلفان في تسخيرهما للإنسان: «وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ» ..واللحم الطري هو الأسماك والحيوانات البحرية على اختلافها.والحلية من اللؤلؤ والمرجان.واللؤلؤ يوجد في أنواع من القواقع يتكون في أجسامها نتيجة دخول جسم غريب كحبة رمل أو نقطة ماء،فيفرز جسم القوقعة داخل الصدفة إفرازا خاصا يحيط به هذا الجسم الغريب،كي لا يؤذي جسم القوقعة الرخو.وبعد زمن معين يتصلب هذا الإفراز،ويتحول إلى لؤلؤة!

والمرجان نبات حيواني يعيش ويكون شعابا مرجانية تمتد في البحر أحيانا عدة أميال،وتتكاثر حتى تصبح خطرا على الملاحة في بعض الأحيان وخطرا على كل حي يقع في براثنها! وهو يقطع بطرق خاصة وتتخذ منه الحلي! والفلك تمخر البحار والأنهار - أي تشقها - بما أودع اللّه الأشياء في هذا

(1) - كتاب:الإنسان لا يقوم وحده تأليف (ا.كريسي.موريسون رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك) ترجمة محمود صالح الفلكي بعنوان:العلم يدعو إلىالإيمان. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت