البيان.وإما هو الدنيا كلها - وهي ثمن قليل حين تقاس إلى ما يخسرونه من رضى اللّه،ومن ثواب الآخرة.
وفي جو الطعام ما حرم منه وما حلل،يقول القرآن عن هؤلاء: «ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ» ..تنسيقا للمشهد في السياق.وكأنما هذا الذي يأكلونه من ثمن الكتمان والبهتان نار في بطونهم! وكأنما هم يأكلون النار!
وإنها لحقيقة حين يصيرون إلى النار في الآخرة،فإذا هي لهم لباس،وإذا هي لهم طعام! وجزاء ما كتموا من آيات اللّه أن يهملهم اللّه يوم القيامة،ويدعهم في مهانة وازدراء والتعبير القرآني عن هذا الإهمال وهذه المهانة وهذا الازدراء هو قوله: «لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ» ..لتجسيم الإهمال في صورة قريبة لحس البشر وإدراكهم ..لا كلام ولا اهتمام ولا تطهير ولا غفران ..
«وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» ..وتعبير آخر مصور موح: « أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ» ..فكأنما هي صفقة يدفعون فيها الهدى ويقبضون الضلالة! ويؤدون المغفرة ويأخذون فيها العذاب ..فما أخسرها من صفقة وأغباها! ويا لسوء ما ابتاعوا وما اختاروا! وإنها لحقيقة.فقد كان الهدى مبذولا لهم فتركوه وأخذوا الضلالة.وكانت المغفرة متاحة لهم فتركوها واختاروا العذاب ..
«فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ!» [1] ..فيالطول صبرهم على النار،التي اختاروها اختيارا،وقصدوا إليها قصدا.
فياللتهكم الساخر من طول صبرهم على النار! وإنه لجزاء مكافىء لشناعة الجريمة.جريمة كتمان الكتاب الذي أنزله اللّه ليعلن للناس،وليحقق في واقع الأرض،وليكون شريعة ومنهاجا.فمن كتمه فقد عطله عن العمل.
وهو الحق الذي جاء للعمل: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ» ..فمن فاء إليه فهو على الهدى،وهو في وفاق مع الحق،وفي وفاق مع المهتدين من الخلق،وفي وفاق مع فطرة الكون وناموسه الأصيل.
«وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ» ..شقاق مع الحق،وشقاق مع ناموس الفطرة،وشقاق فيما بينهم وبين أنفسهم ..ولقد كانوا كذلك،وما يزالون.وتلحق بهم كل أمة تختلف
(1) - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ،أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ،قَالَ:يَقُولُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ:"يُكْثِرُ وَاللهُ الْمَوْعِدُ يَقُولُونَ:مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ حَدِيثِهِ ? وَمَا بَالُ الْأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ بِمِثْلِ أَحَادِيثِهِ وَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ إنَّ إخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إخْوَانِي مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ وَكُنْتُ مِسْكِينًا أَلْزَمُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى شِبَعِ مِلْءِ بَطْنِي وَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَلَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا:"إنْ بَسَطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعُ ثَوْبَهُ إلَى صَدْرِهِ فَلَا يَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا"قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرُهَا حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهُ إلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ كَلِمَةً إلَى يَوْمِي هَذَا،وَوَاللهِ لَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ أَبَدًا:قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ...} [البقرة:159] -شرح مشكل الآثار [4 /353] ( 1663) وصحيح البخارى- المكنز [1 /213] ( 118 ) مختصرا وهو صحيح"