فهرس الكتاب

الصفحة 3704 من 4997

لقد قضي في أمرهم،وحق قدر اللّه على أكثرهم،بما علمه من حقيقتهم،وطبيعة مشاعرهم.فهم لا يؤمنون.وهذا هو المصير الأخير للأكثرين.فإن نفوسهم محجوبة عن الهدى مشدودة عن رؤية دلائله أو استشعارها.وهنا يرسم مشهدا حسيا لهذه الحالة النفسية،يصورهم كأنهم مغلولون ممنوعون قسرا عن النظر،محال بينهم وبين الهدى والإيمان بالحواجز والسدود،مغطى على أبصارهم فلا يبصرون: « إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا،فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ،فَهُمْ مُقْمَحُونَ.وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا.فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» ..

إن أيديهم مشدودة بالأغلال إلى أعناقهم،موضوعة تحت أذقانهم.ومن ثم فإن رؤوسهم مرفوعة قسرا،لا يملكون أن ينظروا بها إلى الأمام! ومن ثم فهم لا يملكون حرية النظر والرؤية وهم في هذا المشهد العنيف!

وهم إلى هذا محال بينهم وبين الحق والهدى بسد من أمامهم وسد من خلفهم فلو أرخي الشد فنظروا لم تنفذ أبصارهم كذلك من هذه السدود! وقد سدت عليهم سبيل الرؤية وأغشيت أبصارهم بالكلال! ومع عنف هذا المشهد الحسي وشدته فإن الإنسان ليلتقي بأناس من هذا النوع،يخيل إليه وهم لا يرون الحق الواضح ولا يدركونه أن هنالك حائلا عنيفا كهذا بينهم وبينه.وأنه إذا لم تكن هذه الأغلال في الأيدي،وإذا لم تكن الرؤوس مقمحة ومجبرة على الارتفاع،فإن نفوسهم وبصائرهم كذلك ..مشدودة عن الهدى قسرا وملفوتة عن الحق لفتا.وبينها وبين دلائل الهدى سد من هنا وسد من هناك.وكذلك كان أولئك الذين واجهوا هذا القرآن بمثل ذلك الإنكار والجحود.وهو يصدع بالحجة،ويدلي بالبرهان.وهو بذاته حجة ذات سلطان لا يتماسك لها إنسان.

«وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» ..فلقد قضى اللّه فيهم بأمره،بما علمه من طبيعة قلوبهم التي لا ينفذ إليها الإيمان.ولا ينفع الإنذار قلبا غير مهيأ للإيمان،مشدود عنه،محال بينه وبينه بالسدود.فالإنذار لا يخلق القلوب،إنما يوقظ القلب الحي المستعد للتلقي: «إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ،فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ» ..

والذكر يراد به هنا القرآن - على الأرجح - والذي اتبع القرآن،وخشي الرحمن دون أن يراه،هو الذي ينتفع بالإنذار،فكأنه هو وحده الذي وجه إليه الإنذار.وكأنما الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد خصه به،وإن كان قد عمم.إلا أن أولئك حيل بينهم وبين تلقيه،فانحصر في من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب.وهذا يستحق التبشير بعد انتفاعه بالإنذار: «فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ» ..المغفرة عما يقع فيه من الخطايا غير مصر.والأجر الكريم على خشية الرحمن بالغيب،واتباعه لما أنزل الرحمن من الذكر.وهما متلازمان في القلب.فما تحل خشية اللّه في قلب إلا ويتبعها العمل بما أنزل.والاستقامة على النهج الذي أراد.وهنا يؤكد وقوع البعث ودقة الحساب،الذي لا يفوته شيء: «إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى،وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ،وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ» ..وإحياء الموتى هو إحدى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت