فهرس الكتاب

الصفحة 3713 من 4997

مُظْلِمُونَ،وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ.لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ،وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» ..

ومشهد قدوم الليل،والنور يختفي والظلمة تغشى ..مشهد مكرور يراه الناس في كل بقعة في خلال أربع وعشرين ساعة (فيما عدا بعض المواقع التي يدوم فيها النهار كما يدوم فيها الليل أسابيع وأشهرا قرب القطبين في الشمال والجنوب) وهو مع تكراره اليومي عجيبة تدعو إلى التأمل والتفكير.

والتعبير القرآني عن هذه الظاهرة - في هذا الموضع - تعبير فريد.فهو يصور النهار متلبسا بالليل ثم ينزع اللّه النهار من الليل فإذا هم مظلمون.ولعلنا ندرك شيئا من سر هذا التعبير الفريد حين نتصور الأمر على حقيقته.

فالأرض الكروية في دورتها حول نفسها في مواجهة الشمس تمر كل نقطة منها بالشمس فإذا هذه النقطة نهار حتى إذا دارت الأرض وانزوت تلك النقطة عن الشمس،انسلخ منها النهار ولفها الظلام - وهكذا تتوالى هذه الظاهرة على كل نقطة بانتظام وكأنما نور النهار ينزع أو يسلخ فيحل محله الظلام.فهو تعبير مصور للحقيقة الكونية أدق تصوير.

«وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها» ..والشمس تدور حول نفسها.وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها الذي تدور فيه حول نفسها.ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة في مكانها.إنما هي تجري.تجري فعلا.تجري في اتجاه واحد في الفضاء الكوني الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثني عشر ميلا في الثانية! واللّه - ربها الخبير بها وبجريانها وبمصيرها - يقول:إنها تجري لمستقر لها.هذا المستقر الذي ستنتهي إليه لا يعلمه إلا هو سبحانه.ولا يعلم موعده سواه.

وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه.وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك وتجري في الفضاء،لا يسندها شيء،ندرك طرفا من صفة القدرة التي تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم: «ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» .. «وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ» ..

والعباد يرون القمر في منازله تلك.يولد هلالا.ثم ينمو ليلة بعد ليلة حتى يستدير بدرا.ثم يأخذ في التناقص حتى يعود هلالا مقوسا كالعرجون القديم.والعرجون هو العذق الذي يكون فيه البلح من النخلة.والذي يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة يدرك ظل التعبير القرآني العجيب: «حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ» ..وبخاصة ظل ذلك اللفظ «الْقَدِيمِ» .فالقمر في لياليه الأولى هلال.وفي لياليه الأخيرة هلال ..ولكنه في الأولى يبدو وكأن فيه نضارة وفتوة.وفي الأخيرة يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم،ويكسوه شحوب وذبول.ذبول العرجون القديم! فليست مصادفة أن يعبر القرآن الكريم عنه هذا التعبير الموحي العجيب! والحياة مع القمر ليلة بعد ليلة تثير في الحس مشاعر وخواطر ندية ثرية موحية عميقة.والقلب البشري الذي يعيش مع القمر دورة كاملة،لا ينجو من تأثرات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت