فيه كيف يكون،لا متى يكون .. « ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ.فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ.وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ.قالُوا:يا وَيْلَنا! مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؟ هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ.إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ» ..
يسأل المكذبون: «مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ..فيكون الجواب مشهدا خاطفا سريعا ..صيحة تصعق كل حي،وتنتهي بها الحياة والأحياء: «ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ.فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ» ..
فهي تأخذهم بغتة وهم في جدالهم وخصامهم في معترك الحياة،لا يتوقعونها ولا يحسبون لها حسابا.فإذا هم منتهون.كل على حاله التي هو عليها.لا يملك أن يوصي بمن بعده.ولا يملك أن يرجع إلى أهله فيقول لهم كلمة ..وأين هم؟ إنهم مثله في أماكنهم منتهون! ثم ينفخ في الصور فإذا هم ينتفضون من القبور.ويمضون سراعا،وهم في دهش وذعر يتساءلون: «مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؟» .ثم تزول عنهم الدهشة قليلا،فيدركون ويعرفون: «هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ» ! ثم إذا الصيحة الأخيرة.صيحة واحدة.فإذا هذا الشتيت الحائر المذهول المسارع في خطاه المدهوش.
يثوب: «فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ» ..وتنتظم الصفوف،ويتهيأ الاستعراض في مثل لمح البصر ورجع الصدى.وإذا القرار العلوي في طبيعة الموقف،وطبيعة الحساب والجزاء يعلن على الجميع:
«فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ..وفي هذه السرعة الخاطفة التي تتم بها تلك المشاهد الثلاثة تناسق في الرد على أولئك الشاكين المرتابين في يوم الوعد المبين!
ثم يطوي السياق موقف الحساب مع المؤمنين،ويعجل بعرض ما صاروا إليه من نعيم: «إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ.هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ.لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ.سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ» ..إنهم مشغولون بما هم فيه من النعيم،ملتذون متفكهون.وإنهم لفي ظلال مستطابة يستروحون نسيمها ..
وعلى أرائك متكئين في راحة ونعيم هم وأزواجهم.لهم فيها فاكهة ولهم كل ما يشاءون وهم ملاك محقق لهم فيها كل ما يدعون.ولهم فوق اللذائذ التأهيل والتكريم: «سَلامٌ» ..يتلقونه من ربهم الكريم: «قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ» ..
فأما الآخرون فلا يطوي السياق موقف حسابهم،بل يعرضه ويبرز فيه التبكيت والتنكيل: «وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ.أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ - يا بَنِي آدَمَ - أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا.أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ؟ هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» ..