فهرس الكتاب

الصفحة 3734 من 4997

وعلى ذكر عباد اللّه المخلصين - الذين استثناهم من تذوق العذاب الأليم يعرض صفحة هؤلاء العباد المخلصين في يوم الدين.ويعود العرض متبعا نسق الإخبار المصور للنعيم الذي يتقلبون في أعطافه - في مقابل ذلك العذاب الأليم للمكذبين: {أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) } [الصافات:41 - 49] .

وهو نعيم مضاعف يجمع كل مظاهر النعيم.نعيم تستمتع به النفس ويستمتع به الحس.وتجد فيه كل نفس ما تشتهيه من ألوان النعيم.فهم - أولا - عباد اللّه المخلصون.وفي هذه الإشارة أعلى مراتب التكريم.وهم - ثانيا - «مكرمون» في الملأ الأعلى.ويا له من تكريم! ثم إن لهم «فواكه» وهم على «سرر متقابلين» .وهم يخدمون فلا يتكلفون شيئا من الجهد في دار الراحة والرضوان والنعيم: «يطاف عليهم بكأس من معين.بيضاء لذة للشاربين.لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون» ..وتلك أجمل أوصاف الشراب،التي تحقق لذة الشراب،وتنفي عقابيله.

فلا خمار يصدع الرؤوس،ولا منع ولا انقطاع يذهب بلذة المتاع! «وعندهم قاصرات الطرف عين» حور حييات لا تمتد أبصارهن إلى غير أصحابهن حياء وعفة،مع أنهن «عين» واسعات جميلات العيون! وهن كذلك مصونات مع رقة ولطف ونعومة: «كأنهن بيض مكنون» ..لا تبتذله الأيدي ولا العيون! ثم يمضي في الحكاية المصورة فإذا عباد اللّه المخلصون هؤلاء - بعد ما يسرت لهم كل ألوان المتاع - ينعمون بسمر هادئ،يتذاكرون فيه الماضي والحاضر - وذلك في مقابل التخاصم والتلاحي الذي يقع بين المجرمين في أول المشهد - وإذا أحدهم يستعيد ماضيه،ويقص على إخوانه طرفا مما وقع له: { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) } [الصافات:50،53] ..

لقد كان صاحبه وقرينه ذاك يكذب باليوم الآخر،ويسائله في دهشة:أهو من المصدقين بأنهم مبعوثون فمحاسبون بعد إذ هم تراب وعظام؟!

وبينما هو ماض في قصته يعرضها في سمره مع إخوانه،يخطر له أن يتفقد صاحبه وقرينه ذاك ليعرف مصيره.وهو يعرف بطبيعة الحال أنه قد صار إلى الجحيم.فيتطلع ويدعو إخوانه إلى التطلع معه: {قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) } [الصافات:54،55]

عندئذ يتوجه إلى قرينه الذي وجده في وسط الجحيم.يتوجه إليه ليقول له:يا هذا.لقد كدت توردني موارد الردى بوسوستك.لولا أن اللّه قد أنعم علي،فعصمني من الاستماع إليك: {قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) } [الصافات:56 - 57] ..أي لكنت من الذين يساقون إلى الموقف وهم كارهون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت