فهرس الكتاب

الصفحة 3785 من 4997

والقلب الذي يوحد اللّه يدرك القرابة بينه وبين كل ما أبدعت يد اللّه في هذا الكون من أشياء وأحياء ويحيا في كون صديق يعاطفه ويتجاوب معه ويحس يد اللّه في كل ما حوله،فيعيش في أنس باللّه وبدائعه التي تلمسها يداه وتقع عليها عيناه.ويشعر كذلك بالتحرج من إيذاء أحد،أو إتلاف شيء أو التصرف في أحد أو في شيء إلا بما أمره اللّه.خالق كل شيء،ومحيي كل حي.ربه ورب كل شيء وكل حي ..

وكذلك تبدو آثار التوحيد في التصورات والمشاعر،كما تبدو في السلوك والتصرفات.وترسم للحياة كلها منهاجا كاملا واضحا متميزا.ولا يعود التوحيد كلمة تقال باللسان.ومن ثم تلك العناية بتقرير عقيدة التوحيد وتوضيحها وتكرار الحديث عنها في الكتاب الذي أنزله اللّه:وهو حديث يحتاج إلى تدبره كل أحد،في كل عصر،وفي كل بيئة.فالتوحيد بمعناه ذلك معنى ضخم شامل يحتاج إلى فهم وإدراك.

«أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ» ..يعلنها هكذا ملوية عالية في ذلك التعبير المجلجل.بأداة الافتتاح «أَلا» وفي أسلوب القصر «لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ» .فيؤكد معناها بالبناء اللفظي للعبارة ..فهي القاعدة التي تقوم عليها الحياة كلها.بل التي يقوم عليها الوجود كله.ومن ثم ينبغي أن ترسخ وتتضح وتعلن في هذا الأسلوب الجازم الحاسم: «أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ» ..

ثم يعالج الأسطورة المعقدة التي كان المشركون يواجهون بها دعوة التوحيد. «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى .إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ» ..فلقد كانوا يعلنون أن اللّه خالقهم وخالق السماوات والأرض ..ولكنهم لم يكونوا يسيرون مع منطق الفطرة في إفراد الخالق إذن بالعبادة،وفي إخلاص الدين للّه بلا شريك.إنما كانوا يبتدعون أسطورة بنوة الملائكة للّه سبحانه.ثم يصوغون للملائكة تماثيل يعبدونها فيها.ثم يزعمون أن عبادتهم لتماثيل الملائكة - وهي التي دعوها آلهة أمثال اللات والعزى ومناة - ليست عبادة لها في ذاتها إنما هي زلفى وقربى للّه.كي تشفع لهم عنده،وتقربهم منه!

وهو انحراف عن بساطة الفطرة واستقامتها،إلى هذا التعقيد والتخريف.فلا الملائكة بنات اللّه.ولا الأصنام تماثيل للملائكة.ولا اللّه - سبحانه - يرضى بهذا الانحراف.ولا هو يقبل فيهم شفاعة.ولا هو يقربهم إليه عن هذا الطريق! وإن البشرية لتنحرف عن منطق الفطرة كلما انحرفت عن التوحيد الخالص البسيط الذي جاء به الإسلام وجاءت به العقيدة الإلهية الواحدة مع كل رسول.وإنا لنرى اليوم في كل مكان عبادة للقديسين والأولياء تشبه عبادة العرب الأولين للملائكة - أو تماثيل الملائكة - تقربا إلى اللّه - بزعمهم - وطلبا لشفاعتهم عنده.وهو سبحانه يحدد الطريق إليه.طريق التوحيد الخالص الذي لا يتلبس بوساطة أو شفاعة على هذا النحو الأسطوري العجيب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت