فهرس الكتاب

الصفحة 3799 من 4997

به وتستضيء.والفرق بين هذه القلوب وقلوب أخرى قاسية فرق بعيد. «فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» .. «أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ..

وهذه الآية تصور حقيقة القلوب التي تتلقى الإسلام فتنشرح له وتندى به.وتصور حالها مع اللّه.حال الانشراح والتفتح والنداوة والبشاشة،والإشراق والاستنارة.كما تصور حقيقة القلوب الأخرى في قساوتها وغلظتها وموتها وجفافها،وعتمتها وظلامها.ومن يشرح اللّه صدره للإسلام ويمد له من نوره،ليس قطعا كالقاسية قلوبهم من ذكر اللّه.وشتان شتان بين هؤلاء وهؤلاء.

كذلك تصور الآية الثانية هيئة تلقي المؤمنين لهذا القرآن.هذا الكتاب المتناسق الذي لا اختلاف في طبيعته ولا في اتجاهاته،ولا في روحه،ولا في خصائصه.فهو «متشابه» وهو «مَثانِيَ» تكرر مقاطعه وقصصه وتوجيهاته ومشاهده.ولكنها لا تختلف ولا تتعارض،إنما تعاد في مواضع متعددة وفق حكمة تتحقق في الإعادة والتكرار.في تناسق وفي استقرار على أصول ثابتة متشابهة.لا تعارض فيها ولا اصطدام.والذين يخشون ربهم ويتقونه،ويعيشون في حذر وخشية،وفي تطلع ورجاء،يتلقون هذا الذكر في وجل وارتعاش،وفي تأثر شديد تقشعر منه الجلود ثم تهدأ نفوسهم،وتأنس قلوبهم بهذا الذكر فتلين جلودهم وقلوبهم وتطمئن إلى ذكر اللّه ..وهي صورة حية حساسة ترسمها الكلمات،فتكاد تشخص فيها الحركات. «ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ» ..

فما ترتعش القلوب هكذا إلا حين تحركها أصبع الرحمن إلى الهدى والاستجابة والإشراق.واللّه يعلم من حقيقة القلوب ما يجازيها عليه بالهدى أو بالضلال: «وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ» ..

فهو يضله بما يعلمه من حقيقته المستقرة على الضلال،التي لا تقبل الهدى ولا تجنح إليه بحال.

ثم يعرض ما ينتظر أهل الضلال يوم القيامة في مشهد بائس في موعد حصاد الأعمال! «أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ؟ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ:ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ» ..

والإنسان يقي وجهه عادة بيديه وجسمه.فأما هنا فهو لا يملك أن يدفع عن نفسه النار بيديه ولا برجليه،فيدفعها بوجهه،ويتقي به سوء العذاب.مما يدل على الهول والشدة والاضطراب.وفي زحمة هذا العذاب يتلقى التأنيب،وتدفع إليه حصيلة حياته ويا لها من حصيلة: «وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ:ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ» !

ويلتفت من هذا المشهد إلى الحديث عن المكذبين الذين يواجهون محمدا - صلى الله عليه وسلم - ليعرض عليهم ما جرى للمكذبين قبلهم لعلهم يتداركون أنفسهم: «كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا،وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» ..فهذه حال المكذبين في الدنيا والآخرة.في الدنيا أذاقهم اللّه الخزي.وفي الآخرة ينتظرهم العذاب الأكبر.

وسنة اللّه ماضية لا تتخلف.ومصارع القرون من قبلهم شاهدة.ووعيد اللّه لهم في الآخرة قائم.والفرصة أمامهم سانحة.وهذا الذكر لمن يتعظ ويذكر «لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت