فهرس الكتاب
عند هذا الموقف الحاسم يجيء التعقيب الأخير على الحلقة كلها،وعلى ما تقدمها من الإشارة إلى الأحزاب التي تعرضت لبأس اللّه،بعد التكذيب والاستكبار: « إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا،وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ.يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ،وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ.فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ،وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ.» ..
هذا التعقيب الجازم،يناسب ذلك الموقف الحاسم.ولقد اطلعت منه البشرية على مثل من نهاية الحق والباطل.نهايتهما في هذه الأرض ونهايتهما كذلك في الآخرة.ورأت كيف كان مصير فرعون وملئه في الحياة الدنيا،كما رأوهم يتحاجون في النار،وينتهون إلى إهمال وصغار.وذلك هو الشأن في كل قضية كما يقرر القرآن: «إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ.يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ» ..
فأما في الآخرة فقد لا يجادل أحد من المؤمنين بالآخرة في هذه النهاية.ولا يجد ما يدعوه إلى المجادلة.
وأما النصر في الحياة الدنيا فقد يكون في حاجة إلى جلاء وبيان.
إن وعد اللّه قاطع جازم: «إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ..» ..بينما يشاهد الناس أن الرسل منهم من يقتل ومنهم من يهاجر من أرضه وقومه مكذبا مطرودا،وأن المؤمنين فيهم من يسام العذاب،وفيهم من يلقى في الأخدود،وفيهم من يستشهد،وفيهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد ..فأين وعد اللّه لهم بالنصر في الحياة الدنيا؟ ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل،ويفعل بها الأفاعيل! ولكن الناس يقيسون بظواهر الأمور.ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في التقدير.
إن الناس يقيسون بفترة قصيرة من الزمان،وحيز محدود من المكان.وهي مقاييس بشرية صغيرة.فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة من الزمان والمكان،ولا يضع الحدود بين عصر وعصر ولا بين مكان ومكان.ولو نظرنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك.وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها.فليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها.وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها! والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صور معينة معهودة لهم،قريبة الرؤية لأعينهم.ولكن صور النصر شتى.وقد يتلبس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة ..إبراهيم عليه السّلام وهو يلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها ..أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟ ما من شك - في منطق العقيدة - أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار.كما أنه انتصر مرة أخرى وهو ينجو من النار.هذه صورة وتلك صورة.وهما في الظاهر بعيد من بعيد.فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب! ..والحسين - رضوان اللّه عليه - وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب،المفجعة من جانب؟ أكانت هذه نصرا أم هزيمة؟ في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة.فأما في الحقيقة