فِي قُرَيْشٍ كَاهِنًا،وَاللَّهِ مَا نَنْتَظِرُ إِلا مِثْلَ صَيْحَةَ الْحُبْلَى بِأَنْ يَقُومَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ حَتَّى نَتَفَانَى أَيُّهَا الرَّجُلُ،إِنْ كَانَ إِنَّمَا بِكَ الْحَاجَةُ جَمَعْنَا حَتَّى تَكُونَ أَغْنَى قُرَيْشٍ رَجُلا،وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا بِكَ الْبَاءَةُ فَاخْتَرْ أَيَّ نِسَاءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَنُزَوِّجُكَ عَشْرًا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ:أَفَرَغْتَ ؟ قَالَ:نَعَمْ،قَالَ:فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:? بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ?،حَتَّى بَلَغَ:? فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ?،فَقَالَ عُتْبَةُ:حَسْبُكَ حَسْبُكَ،مَا عِنْدَكَ غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَ:لا،فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ،فَقَالُوا:مَا وَرَاءَكَ ؟ قَالَ:مَا تَرَكْتُ شَيْئًا أَرَى أَنَّكُمْ تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إِلا كَلَّمْتُهُ،قَالُوا:هَلْ أَجَابَكَ ؟ قَالَ:نَعَمْ،وَالَّذِي نَصَبَهَا بَنِيَّةً،مَا فَهِمْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:? أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ?،قَالُوا:وَيْلَكَ يُكَلِّمُكَ رَجُلٌ بِالْعَرَبِيَّةِ لا تَدْرِي مَا قَالَ ؟ قَالَ:لا،وَاللَّهِ مَا فَهِمْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصَّاعِقَةِ". [1] "
فهذه صورة من وقع هذا الإنذار من فم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - على قلب رجل لم يؤمن! ولا نترك هذه الرواية قبل أن نقف وقفة قصيرة أمام صورة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأدب النفس الكبيرة وطمأنينة القلب المؤمن.وهو يستمع من عتبة إلى هذه الخواطر الصغيرة التي يعرضها عليه،وقلبه مشغول بما هو أعظم،حتى لتبدو هذه الخواطر مقززة تثير الاشمئزاز:ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتلقاها حليما،ويستمع كريما،وهو مطمئن هادئ ودود.لا يعجل عتبة عن استكمال هذه الخواطر الصغيرة.حتى إذا انتهى قال في هدوء وثبات وسماحة: «أفرغت يا أبا الوليد؟» .فيقول:نعم.فيقول: - صلى الله عليه وسلم - «فاستمع مني» ولا يفاجئه بالقول حتى يقول:أفعل.وعندئذ يتلو - صلى الله عليه وسلم - في ثقة وفي طمأنينة وفي امتلاء روح قول ربه لا قوله: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.حم ..» ..
إنها صورة تلقي في القلب المهابة.والثقة.والمودة.والاطمئنان ..ومن ثم كان يملك قلوب سامعيه ..
الذين قد يقصدون إليه أول الأمر ساخرين أو حانقين! - صلى الله عليه وسلم - ..وصدق اللّه العظيم: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» ..
ونعود بعد هذه الوقفة القصيرة إلى النص القرآني الكريم: «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ:أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ..» .إنها جولة في مصارع الغابرين،بعد تلك الجولة في ملكوت السماوات والأرض.جولة تهز القلوب المستكبرة برؤية مصارع المستكبرين: «إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ» ..
الكلمة الواحدة التي جاء بها الرسل أجمعين.وقام عليها بنيان كل دين. «قالُوا:لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً.فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ» ..وهي كذلك الشبهة المتكررة التي ووجه بها كل رسول.وما كان لرسول يخاطب البشر أن يكون إلا من البشر.يعرفهم ويعرفونه.ويجدون فيه قدوة واقعية،ويعاني
(1) - مسند أبي يعلى الموصلي مشكل [2 /253] ( 1818) حسن