سواء.تفرقوا تحت تأثير الأهواء الجائرة،والشهوات الباغية.تفرقوا غير مستندين إلى سبب من العقيدة الصحيحة والمنهج القويم.ولو أخلصوا لعقيدتهم،واتبعوا منهجهم ما تفرقوا.
ولقد كانوا يستحقون أن يأخذهم اللّه أخذا عاجلا،جزاء بغيهم وظلمهم في هذا التفرق والتفريق.ولكن كلمة سبقت من اللّه لحكمة أرادها،بإمهالهم إلى أجل مسمى «وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» ..فحق الحق وبطل الباطل وانتهى الأمر في هذه الحياة الدنيا.ولكنهم مؤجلون إلى يوم الوقت المعلوم.
فأما الأجيال التي ورثت الكتاب من بعد أولئك الذين تفرقوا وفرقوا من أتباع كل نبي،فقد تلقوا عقيدتهم وكتابهم بغير يقين جازم إذ كانت الخلافات السابقة مثارا لعدم الجزم بشيء،وللشك والغموض والحيرة بين شتى المذاهب والاختلافات: «وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ» ..
وما هكذا تكون العقيدة.فالعقيدة هي الصخرة الصلبة التي يقف عليها المؤمن،فتميد الأرض من حوله وهو ثابت راسخ القدمين فوق الصخرة الصلبة التي لا تميد.والعقيدة هي النجم الهادي الثابت على الأفق يتجه إليه المؤمن وسط الأنواء والزوابع،فلا يضل ولا يحيد.فأما حين تصبح العقيدة ذاتها موضع شك ومثار ريبة،فلا ثبات لشيء ولا لأمر في نفس صاحبها،ولا قرار له على وجهة،ولا اطمئنان إلى طريق.
ولقد جاءت العقيدة ليعرف أصحابها طريقهم ووجهتهم إلى اللّه ويقودوا من وراءهم من البشر في غير ما تلجلج ولا تردد ولا ضلال.فإذا هم استرابوا وشكوا فهم غير صالحين لقيادة أحد،وهم أنفسهم حائرون.وكذلك كان حال أتباع الرسل يوم جاء هذا الدين الجديد.
يقول الأستاذ الهندي أبو الحسن الندوي في كتابه: «ما ذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» :
«أصبحت الديانات العظمى فريسة العابثين والمتلاعبين،ولعبة المحرفين والمنافقين،حتى فقدت روحها وشكلها،فلو بعث أصحابها الأولون لم يعرفوها،وأصبحت مهود الحضارة والثقافة والحكم والسياسة مسرح الفوضى والانحلال والاختلال وسوء النظام،وعسف الحكام،وشغلت بنفسها،لا تحمل للعالم رسالة ولا للأمم دعوة،وأ فلست في معنوياتها،ونضب معين حياتها،لا تملك مشرعا صافيا من الدين السماوي،ولا نظاما ثابتا من الحكم البشري» [1] ويقول الكاتب الأوربي «ج.ه.دنيسون» في كتابه «العواطف كأساس للحضارة» :
« ففي القرنين الخامس والسادس كان العالم المتمدين على شفا جرف هار من الفوضى،لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت ولم يك ثم ما يعتد به مما يقوم مقامها.وكان
(1) - صفحة 22 الطبعة الثانية. ( السيد رحمه الله )