هذا المخلوق البشري،فيجعل الحد الذي يصلح به للقيادة،والذي ينال معه ما عند اللّه،هو اجتناب كبائر الإثم والفواحش.لا صغائر الإثم والذنب.وتسعه رحمته بما يقع منه من هذه الصغائر،لأنه أعلم بطاقته.وهذا فضل من اللّه وسماحة ورحمة بهذا الإنسان توجب الحياء من اللّه،فالسماحة تخجل والعفو يثير في القلب الكريم معنى الحياء.
«وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ» ..وتأتي هذه الصفة بعد الإشارة الخفية إلى سماحة اللّه مع الإنسان في ذنوبه وأخطائه،فتحبب في السماحة والمغفرة بين العباد.وتجعل صفة المؤمنين أنهم إذا ما غضبوا هم يغفرون.وتتجلى سماحة الإسلام مرة أخرى مع النفس البشرية فهو لا يكلف الإنسان فوق طاقته.واللّه يعلم أن الغضب انفعال بشري ينبع من فطرته.وهو ليس شرا كله.فالغضب للّه ولدينه وللحق والعدل غضب مطلوب وفيه الخير.ومن ثم لا يحرم الغضب في ذاته ولا يجعله خطيئة.بل يعترف بوجوده في الفطرة والطبيعة،فيعفي الإنسان من الحيرة والتمزق بين فطرته وأمر دينه.ولكنه في الوقت ذاته يقوده إلى أن يغلب غضبه،وأن يغفر ويعفو،ويحسب له هذا صفة مثلى من صفات الإيمان المحببة.هذا مع أنه عرف عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يغضب لنفسه قط،إنما كان يغضب للّه،فإذا غضب للّه لم يقم لغضبه شيء.ولكن هذه درجة تلك النفس المحمدية العظيمة لا يكلف اللّه نفوس المؤمنين إياها.وإن كان يحببهم فيها.إنما يكتفي منهم بالمغفرة عند الغضب،والعفو عند القدرة،والاستعلاء على شعور الانتقام،ما دام الأمر في حدود الدائرة الشخصية المتعلقة بالأفراد.
«وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ» ..فأزالوا العوائق التي تقوم بينهم وبين ربهم.أزالوا هذه العوائق الكامنة في النفس دون الوصول.وما يقوم بين النفس وربها إلا عوائق من نفسها.عوائق من شهواتها ونزواتها.عوائق من وجودها هي وتشبثها بذاتها.فأما حين تخلص من هذا كله فإنها تجد الطريق إلى ربها مفتوحا وموصولا.وحينئذ تستجيب بلا عائق.تستجيب بكلياتها.ولا تقف أمام كل تكليف بعائق من هوى يمنعها ..وهذه هي الاستجابة في عمومها ..ثم أخذ يفصل بعض هذه الاستجابة: «وَأَقامُوا الصَّلاةَ» ..وللصلاة في هذا الدين مكانة عظمى،فهي التالية للقاعدة الأولى فيه.قاعدة شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه.وهي صورة الاستجابة الأولى للّه.وهي الصلة بين العبد وربه.وهي مظهر المساواة بين العباد في الصف الواحد ركعا سجدا،لا يرتفع رأس على رأس،ولا تتقدم رجل على رجل!
ولعله من هذا الجانب أتبع إقامة الصلاة بصفة الشورى - قبل أن يذكر الزكاة: «وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ» والتعبير يجعل أمرهم كله شورى،ليصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة.وهو كما قلنا نص مكي.كان قبل قيام الدولة الإسلامية.فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين.إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها،ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم فيها بعد.