فهرس الكتاب

الصفحة 3957 من 4997

قديم،في رسالة كل رسول: «أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ؟ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ.أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ.فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ،وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ.وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا:أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ؟» ..

وهذا المعنى يتكرر في القرآن تسلية لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وبيانا لطبيعة الهدى والضلال،ورجعهما إلى مشيئة اللّه وتقديره وحده وإخراجهما من نطاق وظيفة الرسل - عليهم الصلاة والسّلام - ووضع حدود فاصلة بين مجال القدرة الإنسانية المحدودة في أعلى درجاتها عند مرتقى النبوة،ومجال القدرة الإلهية الطليقة وتثبيت معنى التوحيد في صورة من أدق صوره،وفي موضع من ألطف مواضعه: «أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ..

وهم ليسوا صما ولا عميا،ولكنهم كالصم والعمي في الضلال،وعدم الانتفاع بالدعاء إلى الهدى،والإشارة إلى دلائله.ووظيفة الرسول أن يسمع من يسمع،وأن يهدي من يبصر.فإذا هم عطلوا جوارحهم،وطمسوا منافذ قلوبهم وأرواحهم.فما للرسول إلى هداهم من سبيل ولا عليه من ضلالهم،فقد قام بواجبه الذي يطيق.واللّه يتولى الأمر بعد أداء الرسول لواجبه المحدود: «فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ.أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ» ..

والأمر لا يخرج عن هذين الحالين.فإذا ذهب اللّه بنبيه فسيتولى هو الانتقام من مكذبيه.وإذا قدر له الحياة حتى يتحقق ما أنذرهم به،فاللّه قادر على تحقيق النذير،وهم ليسوا له بمعجزين.ومرد الأمر إلى مشيئة اللّه وقدرته في الحالين،وهو صاحب الدعوة.وما الرسول إلا رسول.

«فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ.إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ..واثبت على ما أنت فيه،وسر في طريقك لا تحفل ما كان منهم وما يكون.سر في طريقك مطمئن القلب.

«إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ..لا يلتوي بك ولا ينحرف ولا يحيد.وهذه العقيدة متصلة بحقيقة الكون الكبرى،متناسقة مع الناموس الكلي الذي يقوم عليه هذا الوجود.فهي مستقيمة معه لا تنفرج عنه ولا تنفصل.وهي مؤدية بصاحبها إلى خالق هذا الوجود،على استقامة تؤمن معها الرحلة في ذلك الطريق! واللّه - سبحانه - يثبت رسوله - صلى الله عليه وسلم - بتوكيد هذه الحقيقة.وفيها تثبيت كذلك للدعاة من بعده،مهما لاقوا من عنت الشاردين عن الطريق! «وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ» ..ونص هذه الآية هنا يحتمل أحد مدلولين:

أن هذا القرآن تذكير لك ولقومك تسألون عنه يوم القيامة،فلا حجة بعد التذكير.

أو أن هذا القرآن يرفع ذكرك وذكر قومك.وهذا ما حدث فعلا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت