فهرس الكتاب

الصفحة 3971 من 4997

هذه المفاجأة تحدث حدثا غريبا،يقلب كل ما كانوا يألفونه في الحياة الدنيا: «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» ..

وإن عداء الأخلاء لينبع من معين ودادهم ..لقد كانوا في الحياة الدنيا يجتمعون على الشر،ويملي بعضهم لبعض في الضلال.فاليوم يتلاومون.واليوم يلقي بعضهم على بعض تبعة الضلال وعاقبة الشر.واليوم ينقلبون إلى خصوم يتلاحون،من حيث كانوا أخلاء يتناجون! «إِلَّا الْمُتَّقِينَ» ..فهؤلاء مودتهم باقية فقد كان اجتماعهم على الهدى،وتناصحهم على الخير،وعاقبتهم إلى النجاة ..

وبينما الأخلاء يتلاحون ويختصمون،يتجاوب الوجود كله بالنداء العلوي الكريم للمتقين:

«يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ.ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ» ..أي تسرون سرورا يشيع في أعطافكم وقسماتكم فيبدو عليكم الحبور.

ثم نشهد - بعين الخيال - فإذا صحاف من ذهب وأكواب يطاف بها عليهم.وإذا لهم في الجنة ما تشتهيه الأنفس.وفوق شهوة النفوس التذاذ العيون،كمالا وجمالا في التكريم: «يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ.وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ،وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ» ..

ومع هذا النعيم.ما هو أكبر منه وأفضل.التكريم بالخطاب من العلي الكريم: «وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ.وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ» ..

فما بال المجرمين الذين تركناهم منذ هنيهة يتلاحون ويختصمون؟ «إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ» ..

وهو عذاب دائم،وفي درجة شديدة عصيبة.لا يفتر لحظة،ولا يبرد هنيهة.ولا تلوح لهم فيه بارقة من أمل في الخلاص،ولا كوة من رجاء بعيد.فهم فيه يائسون قانطون: «لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ» ..كذلك فعلوا بأنفسهم،وأوردوها هذا المورد الموبق،ظالمين غير مظلومين: «وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ» ..

ثم تتناوح في الجو صيحة من بعيد.صيحة تحمل كل معاني اليأس والكرب والضيق: «وَنادَوْا:يا مالِكُ.لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ» ..

إنها صيحة متناوحة من بعد سحيق.من هناك من وراء الأبواب الموصدة في الجحيم.إنها صيحة أولئك المجرمين الظالمين.إنهم لا يصيحون في طلب النجاة ولا في طلب الغوث.فهم مبلسون يائسون.إنما يصيحون في طلب الهلاك.الهلاك السريع الذي يريح ..وحسب المنايا أن يكن أمانيا! ..وإن هذا النداء ليلقي ظلا كثيفا للكرب والضيق.وإننا لنكاد نرى من وراء صرخة الاستغاثة نفوسا أطار صوابها العذاب،وأجساما تجاوز الألم بها حد الطاقة،فانبعثت منها تلك الصيحة المريرة: «يا مالِكُ.لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ» ! ولكن الجواب يجيء في تيئيس وتخذيل،وبلا رعاية ولا اهتمام: «قالَ:إِنَّكُمْ ماكِثُونَ» ! فلا خلاص ولا رجاء ولا موت ولا قضاء ..إنكم ماكثون!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت