فهرس الكتاب

الصفحة 4022 من 4997

إن البويضة بمجرد تلقيحها بالخلية المنوية تسعى للالتصاق بجدار الرحم.وهي مزودة بخاصية أكالة.تمزق جدار الرحم الذي تلتصق به وتأكله فيتوارد دم الأم إلى موضعها،حيث تسبح هذه البويضة الملقحة دائما في بركة من دم الأم الغني بكل ما في جسمها من خلاصات وتمتصه لتحيا به وتنمو.وهي دائمة الأكلان لجدار الرحم.دائمة الامتصاص لمادة الحياة.والأم المسكينة تأكل وتشرب وتهضم وتمتص،لتصب هذا كله دما نقيا غنيا لهذه البويضة الشرهة النهمة الأكول!

وفي فترة تكوين عظام الجنين يشتد امتصاصه للجير من دم الأم فتفتقر إلى الجير.ذلك أنها تعطي محلول عظامها في الدم ليقوم به هيكل هذا الصغير! وهذا كله قليل من كثير! ثم الوضع،وهو عملية شاقة،ممزقة،ولكن آلامها الهائلة كلها لا تقف في وجه الفطرة ولا تنسي الأم حلاوة الثمرة.ثمرة التلبية للفطرة،ومنح الحياة نبتة جديدة تعيش،وتمتد ..بينما هي تذوي وتموت! ثم الرضاع والرعاية.حيث تعطي الأم عصارة لحمها وعظمها في اللبن،وعصارة قلبها وأعصابها في الرعاية.

وهي مع هذا وذلك فرحة سعيدة رحيمة ودود.لا تمل أبدا ولا تكره تعب هذا الوليد.وأكبر ما تتطلع إليه من جزاء أن تراه يسلم وينمو.فهذا هو جزاؤها الحبيب الوحيد! فأنى يبلغ الإنسان في جزاء هذه التضحية،مهما يفعل.وهو لا يفعل إلا القليل الزهيد؟

وصدق ابن عمر فعن سَعِيدَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ:سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ،أَنَّهُ شَهِدَ ابْنَ عُمَرَ وَرَجُلٌ يَمَانِيٌّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ،حَمَلَ أُمَّهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ،يَقُولُ:

إِنِّي لَهَا بَعِيرُهَا الْمُذَلَّلُ إِنْ أُذْعِرَتْ رِكَابُهَا لَمْ أُذْعَرِ .

ثُمَّ قَالَ:يَا ابْنَ عُمَرَ أَتُرَانِي جَزَيْتُهَا ؟ قَالَ:لَا،وَلَا بِزَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ" [1] ."

ويخلص من هذه الوقفة أمام الوصية بالوالدين،واستجاشة الضمائر بصورة التضحية النبيلة ممثلة في الأم،إلى مرحلة النضج والرشد،مع استقامة الفطرة،واهتداء القلب: «حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ:رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ،وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ،وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي،إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ،وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ..

وبلوغ الأشد يتراوح بين الثلاثين والأربعين.والأربعون هي غاية النضج والرشد،وفيها تكتمل جميع القوى والطاقات،ويتهيأ الإنسان للتدبر والتفكر في اكتمال وهدوء.وفي هذه السن تتجه الفطرة المستقيمة السليمة إلى ما وراء الحياة وما بعد الحياة.وتتدبر المصير والمآل.

ويصور القرآن هنا خوالج النفس المستقيمة،وهي في مفرق الطريق،بين شطر من العمر ولى،وشطر يكاد آخره يتبدى.وهي تتوجه إلى اللّه: «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ» ..دعوة القلب الشاعر بنعمة ربه،المستعظم المستكثر لهذه النعمة التي تغمره وتغمر والديه قبله

(1) - الْأَدَبُ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ (11 ) صحيح موقوف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت