قَالَ ثُمّ إنّ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - انْصَرَفَ مِنْ الطّائِفِ رَاجِعًا إلَى مَكّةَ ،يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ،حَتّى إذَا كَانَ بِنَخْلَةَ قَامَ مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ يُصَلّي،فَمَرّ بِهِ النّفَرُ مِنْ الْجِنّ الّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُمْ - فِيمَا ذُكِرَ لِي - سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنْ جِنّ أَهْلِ نَصِيبِينَ فَاسْتَمَعُوا لَهُ فَلَمّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَلّوْا .إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَدْ آمَنُوا وَأَجَابُوا إلَى مَا سَمِعُوا .فَقَصّ اللّهُ خَبَرَهُمْ عَلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ } إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى { وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: { قُلْ أُوحِيَ إِلَيّ أَنّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنّ } إلَى آخِرِ الْقِصّةِ مِنْ خَبَرِهِمْ فِي هَذِهِ السّورَةِ" [1] .."
ويعقب ابن كثير في التفسير على رواية ابن إسحاق بقوله: «وهذا صحيح.ولكن قوله:إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر.فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء،كما دل عليه حديث ابن عباس - رضي اللّه عنهما - المذكور،وخروجه - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف كان بعد موت عمه.وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره.واللّه أعلم» [2] .
وهناك روايات أخرى كثيرة.ونحن نعتمد من جميع هذه الروايات الرواية الأولى عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - لأنها هي التي تتفق تماما مع النصوص القرآنية: «قُلْ:أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ» ..وهي قاطعة في أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما علم بالحادث عن طريق الوحي،وأنه لم ير الجن ولم يشعر بهم.ثم إن هذه الرواية هي الأقوى من ناحية الإسناد والتخريج.وتتفق معها في هذه النقطة رواية ابن إسحاق.كما يقويها ما عرفناه من القرآن من صفة الجن: «إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ» ..وفي هذا غناء في تحقيق الحادث. [3]
(1) - سيرة ابن هشام [1 /419] صحيح مرسل
(2) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [7 /290]
(3) - قلت:قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"فهذا مع الأول من رواية ابن عباس يقتضي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يشعر بحضورهم في هذه المرة وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا قوما بعد قوم، وفوجا بعد فوج، كما سيأتي بذلك الأخبار في موضعها والآثار، مما سنوردها هاهنا إن شاء الله تعالى وبه الثقة."
وذكر الروايات الكثيرة وغالبها يدور بين الصحة والحسن،ثم قال في نهاية هذه الأحاديث:"فهذه الطرق كلها تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - ذهب إلى الجن قصدا، فتلا عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله، عز وجل، وشرع الله لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت. وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن ولم يشعر بهم، كما قاله ابن عباس، رضي الله عنهما، ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود. وأما ابن مسعود فإنه لم يكن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حال مخاطبته الجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدا منه، ولم يخرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي."
وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ابن مسعود ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد، وهي عند مسلم. ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى، والله أعلم، كما روى ابن أبي حاتم في تفسير: { قُلْ أُوحِيَ } ،من حديث ابن جريج قال:قال عبد العزيز بن عمر:أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين، وتأوله البيهقي على أنه يقول:"فبتنا بشر ليلة بات بها قوم"، على غير ابن مسعود ممن لم يعلم بخروجه - صلى الله عليه وسلم - إلى الجن، وهو محتمل على بعد، والله أعلم.تفسير ابن كثير - دار طيبة [7 /291-296] قلت:وهو الصواب ن فطالما أن الجمع ممكن فالإعمال أولى من الإهمال .