الأعمال التي يأملون من ورائها الخير.والتي يبدو على ظاهرها الصلاح.فلا قيمة لعمل صالح من غير إيمان.فهذا الصلاح شكلي لا يعبر عن حقيقة وراءه.
والعبرة بالباعث الذي يصدر عنه العمل لا بشكل العمل.وقد يكون الباعث طيبا.ولكنه حين لا يقوم على الإيمان يكون فلتة عارضة أو نزوة طارئة.لا يتصل بمنهج ثابت واضح في الضمير،متصل بخط سير الحياة العريض،ولا بناموس الوجود الأصيل.فلا بد من الإيمان ليشد النفس إلى أصل تصدر عنه في كل اتجاهاتها،وتتأثر به في كل انفعالاتها.وحينئذ يكون للعمل الصالح معناه.ويكون له هدفه ويكون له اطراده وتكون له آثاره وفق المنهج الإلهي الذي يربط أجزاء هذا الكون كله في الناموس ويجعل لكل عمل ولكل حركة وظيفة وأثرا في كيان هذا الوجود،وفي قيامه بدوره،وانتهائه إلى غايته.
وفي الجانب الآخر: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» ..والإيمان الأول يشمل الإيمان بما نزل على محمد.ولكن السياق يبرزه ويظهره ليصفه بصفته: «وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» ويؤكد هذا المعنى ويقرره.وإلى جوار الإيمان المستكن في الضمير،العمل الظاهر في الحياة.وهو ثمرة الإيمان الدالة على وجوده وحيويته وانبعاثه.
وهؤلاء: «كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ» ..في مقابل إبطال أعمال الذين كفروا ولو كانت حسنات في شكلها وظاهرها.وبينما يبطل العمل ولو كان صالحا من الكافرين،فإن السيئة تغفر للمؤمنين.وهو تقابل تام مطلق يبرز قيمة الإيمان وقدره عند اللّه،وفي حقيقة الحياة ..
«وَأَصْلَحَ بالَهُمْ» ..وإصلاح البال نعمة كبرى تلي نعمة الإيمان في القدر والقيمة والأثر.والتعبير يلقي ظلال الطمأنينة والراحة والثقة والرضى والسلام.ومتى صلح البال،استقام الشعور والتفكير،واطمأن القلب والضمير،وارتاحت المشاعر والأعصاب،ورضيت النفس واستمتعت بالأمن والسلام ..وماذا بعد هذا من نعمة أو متاع؟ ألا إنه الأفق المشرق الوضيء الرفاف.
ولم كان هذا وكان ذاك؟ إنها ليست المحاباة.وليست المصادفة.وليس الجزاف.إنما هو أمر له أصله الثابت،المرتبط بالناموس الأصيل الذي قام عليه الوجود يوم خلق اللّه السماوات والأرض بالحق،وجعل الحق هو الأساس: «ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ،وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ» ..والباطل ليست له جذور ضاربة في كيان هذا الوجود ومن ثم فهو ذاهب هالك وكل من يتبعه وكل ما يصدر عنه ذاهب هالك كذلك.ولما كان الذين كفروا اتبعوا الباطل فقد ضلت أعمالهم،ولم يبق لهم منها شيء ذو غناء.
والحق ثابت تقوم عليه السماوات والأرض،وتضرب جذوره في أعماق هذا الكون.ومن ثم يبقى كل ما يتصل به ويقوم عليه.ولما كان الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم،فلا جرم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم.فهو أمر واضح مقرر يقوم على أصوله الثابتة،ويرجع إلى أسبابه الأصيلة.وما هو فلتة ولا مصادفة