وترتيب الوقائع في الآية يستوقف النظر.فالذين اهتدوا بدأوا هم بالاهتداء،فكافأهم اللّه بزيادة الهدى،وكافأهم بما هو أعمق وأكمل: «وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ» ..والتقوى حالة في القلب تجعله أبدا واجفا من هيبة اللّه،شاعرا برقابته،خائفا من غضبه،متطلعا إلى رضاه،متحرجا من أن يراه اللّه على هيئة أو في حالة لا يرضاها ..
هذه الحساسية المرهفة هي التقوى ..وهي مكافأة يؤتيها اللّه من يشاء من عباده،حين يهتدون هم ويرغبون في الوصول إلى رضى اللّه.والهدى والتقوى والحساسية حالة تقابل حالة النفاق والانطماس والغفلة في الآية السابقة.
ومن ثم يعود بعد هذه اللفتة إلى الحديث عن أولئك المنافقين المطموسين الغافلين،الذين يخرجون من مجلس رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ولم يعوا مما قال شيئا ينفعهم ويهديهم.ويستجيش قلوبهم للتقوى،ويذكرهم بما ينتظر الناس من حساب وجزاء: «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً؟ فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها.فَأَنَّى لَهُمْ - إِذا جاءَتْهُمْ - ذِكْراهُمْ؟» .
وهي جذبة قوية تخرج الغافلين من الغفلة بعنف،كما لو أخذت بتلابيب مخمور وهززته هزا! ماذا ينتظر هؤلاء الغافلون الذين يدخلون مجالس رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويخرجون منها،غير واعين،ولا حافظين،ولا متذكرين؟ ماذا ينتظرون؟ «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً؟» ..فتفجأهم وهم سادرون غارون غافلون هل ينظرون إلا الساعة؟ «فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها» .ووجدت علاماتها.والرسالة الأخيرة أضخم هذه العلامات،فهي إيذان بأنها النذارة الأخيرة قرب الأجل المضروب.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَجَمَعَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. [1]
وعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ » [2] .
وإذا كان الزمن يلوح ممتدا منذ هذه الرسالة الأخيرة فإن أيام اللّه غير أيامنا.ولكنها في حساب اللّه قد جاءت الأشراط الأولى وما عاد لعاقل أن يغفل حتى تأخذه الساعة بغتة حيث لا يملك صحوا ولا ذكرا: «فَأَنَّى لَهُمْ - إِذا جاءَتْهُمْ - ذِكْراهُمْ؟» ..
إنها الهزة القوية العنيفة التي تخرج الغافلين من غفلتهم والتي تتفق كذلك مع طابع السورة العنيف.
ثم يتجه الخطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المهتدين المتقين المتطلعين ليأخذوا طريقا آخر.طريق العلم والمعرفة والذكر والاستغفار،والشعور برقابة اللّه وعلمه الشامل المحيط ويعيشوا بهذه الحساسية يرتقبون الساعة وهم حذرون متأهبون: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ،وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ» ..
وهو التوجيه إلى تذكر الحقيقة الأولى التي يقوم عليها أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه:
(1) - صحيح ابن حبان [15 /13] 6641 صحيح
(2) - صحيح البخارى- المكنز [21 /395] (6504) وصحيح مسلم- المكنز [18 /476] 7593