وَالْمُشْرِكاتِ،الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ،عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ،وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ،وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ،وَساءَتْ مَصِيرًا» ..
ثم التنويه ببيعة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - واعتبارها بيعة للّه وربط قلوب المؤمنين مباشرة بربهم عن هذا الطريق،بهذا الرباط المتصل مباشرة باللّه الحي الباقي الذي لا يموت: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا،لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ،يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ،فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ،وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» .
وبمناسبة البيعة والنكث يلتفت - قبل إكمال الحديث عن المؤمنين ومواقفهم في الحديبية - إلى الأعراب الذين تخلفوا عن الخروج،فيفضح معاذيرهم،ويكشف ما جال في خواطرهم من سوء الظن باللّه،ومن توقع السوء للرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه.ويوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ما ينبغي أن يكون موقفه منهم في المستقبل.وذلك في أسلوب يوحي بقوة المسلمين وضعف المخلفين،كما يوحي بأن هنالك غنائم وفتوحا قريبة يسيل لها لعاب المخلفين المتباطئين: « سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ:شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا،يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ،قُلْ:فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا،إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا؟ بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا،وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ،وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ،وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا.وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا.وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ،وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ،وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها:ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ،يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ،قُلْ:لَنْ تَتَّبِعُونا.كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ.فَسَيَقُولُونَ:بَلْ تَحْسُدُونَنا.بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا.قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ:سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ،فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا،وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا» .
وفي هذا الصدد يبين المعذورين إذا تخلفوا،والمعفين من الجهاد لعجزهم عنه،وهو العذر الوحيد: «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ،وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ،وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ،وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا» ..
وبعد هذه اللفتة يعود سياق السورة للحديث عن المؤمنين ومواقفهم وخوالج نفوسهم حديثا كله رضى وشفافية ووضاءة وتكريم وكله بشريات لهذه النفوس الخالصة القوية،البائعة المتجردة.حديثا يتجلى فيه اللّه جل جلاله على هذه المجموعة المختارة من البشر.يتجلى عليهم برضوانه وبشرياته وامتنانه وتثبيته.ويبلغهم بأشخاصهم وأعيانهم أنه عنهم راض،وأنه كان حاضرهم وهم يبايعون في مكان بعينه: «تَحْتَ الشَّجَرَةِ» وأنه اطلع على ما في نفوسهم.وأنه رضيهم ورضي عنهم،وأنه كتب لهم