«إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ،أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى .لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ» ..
فالتقوى هبة عظيمة،يختار اللّه لها القلوب،بعد امتحان واختبار،وبعد تخليص وتمحيص،فلا يضعها في قلب إلا وقد تهيأ لها،وقد ثبت أنه يستحقها.والذين يغضون أصواتهم عند رسول اللّه قد اختبر اللّه قلوبهم وهيأها لتلقي تلك الهبة.هبة التقوى.وقد كتب لهم معها وبها المغفرة والأجر العظيم.إنه الترغيب العميق،بعد التحذير المخيف.بها يربي اللّه قلوب عباده المختارين،ويعدها للأمر العظيم.الذي نهض به الصدر الأول على هدى من هذه التربية ونور.
وقد روي عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ كُنْتُ قَائِمًا فِى الْمَسْجِدِ فَحَصَبَنِى رَجُلٌ،فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ اذْهَبْ فَأْتِنِى بِهَذَيْنِ .فَجِئْتُهُ بِهِمَا .قَالَ مَنْ أَنْتُمَا - أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا قَالاَ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ .قَالَ لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لأَوْجَعْتُكُمَا،تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - [1]
وعرف علماء هذه الأمة وقالوا:إنه يكره رفع الصوت عند قبره - صلى الله عليه وسلم - كما كان يكره في حياته - عليه الصلاة والسلام - احتراما له في كل حال.
ثم أشار إلى حادث وقع من وفد بني تميم حين قدموا على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في العام التاسع.الذي سمي «عام الوفود» ..لمجيء وفود العرب من كل مكان بعد فتح مكة،ودخولهم في الإسلام،وكانوا أعرابا جفاة،فنادوا من وراء حجرات أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - المطلة على المسجد النبوي الشريف:يا محمد.اخرج لنا.فكره النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الجفوة وهذا الإزعاج.فنزل قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ،وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ،وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
عن أَبي مُسْلِمٍ الْبَجَلِيٍّ،قَالَ:سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ الله عَنْه يَقُولُ:أَتَى نَاسٌ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا:انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ،فَإِنْ كَانَ نَبِيًّا فَنَحْنُ نَشْهَدُ بِهِ،وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا عِشْنَا فِي جَنَابِهِ .فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ .فَأَتَوَا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يُنَادُونَهُ مِنْ حُجْرَتِهِ:يَا مُحَمَّدُ،يَا مُحَمَّدُ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِأُذُنِي فَمَدَّهَا،وَجَعَلَ يَقُولُ:لَقَدْ صَدَّقَ اللَّهُ قَوْلَكَ يَا زَيْدُ،لَقَدْ صَدَّقَ اللَّهُ قَوْلَكَ يَا زَيْدُ [2] .
وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِى قَوْلِهِ (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) قَالَ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ حَمْدِى زَيْنٌ وَإِنَّ ذَمِّى شَيْنٌ فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « ذَاكَ اللَّهُ تَعَالَى » [3] .
(1) - صحيح البخارى- المكنز [2 /316] ( 470)
(2) - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية [15 /251] ( 3722 ) حسن
(3) - سنن الترمذى- المكنز [12 /92] ( 3577 ) صحيح