فهرس الكتاب

الصفحة 4160 من 4997

هذا هو المقطع الأول في السورة.وهو يعالج قضية البعث،وإنكار المشركين له،وعجبهم من ذكره والقول به.ولكن القرآن لا يواجه إنكارهم لهذه القضية فيعالجه وحده.إنما هو يواجه قلوبهم المنحرفة ليردها أصلا إلى الحق،ويقوّم ما فيها من عوج ويحاول قبل كل شيء إيقاظ هذه القلوب وهزها لتتفتح على الحقائق الكبيرة في صلب هذا الوجود.ومن ثم لا يدخل معهم في جدل ذهني لإثبات البعث.وإنما يحيي قلوبهم لتتفكر هي وتتدبر،ويلمس وجدانهم ليتأثر بالحقائق المباشرة من حوله فيستجيب ..وهو درس يحسن أن ينتفع به من يحاولون علاج القلوب!

وتبدأ السورة بالقسم.القسم بالحرف: «قاف» وبالقرآن المجيد،المؤلف من مثل هذا الحرف.بل إنه هو أول حرف في لفظ «قرآن» ..ولا يذكر المقسم عليه.فهو قسم في ابتداء الكلام،يوحي بذاته باليقظة والاهتمام.فالأمر جلل،واللّه يبدأ الحديث بالقسم،فهو أمر إذن له خطر.ولعل هذا هو المقصود بهذا الابتداء.إذ يضرب بعده بحرف «بَلْ» عن المقسم عليه - بعد أن أحدث القسم أثره في الحس والقلب - ليبدأ حديثا كأنه جديد عن عجبهم واستنكارهم لما جاءهم به رسولهم في القرآن المجيد من أمر البعث والخروج: «بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ،فَقالَ الْكافِرُونَ:هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ.أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا؟ ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ» .بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم.وما في هذا من عجب.بل هو الأمر الطبيعي الذي تتقلبه الفطرة السليمة ببساطة وترحيب.الأمر الطبيعي أن يختار اللّه من الناس واحدا منهم،يحس بإحساسهم،ويشعر بشعورهم،ويتكلم بلغتهم،ويشاركهم حياتهم ونشاطهم،ويدرك دوافعهم وجواذبهم،ويعرف طاقتهم واحتمالهم،فيرسله إليهم لينذرهم ما ينتظرهم إن هم ظلوا فيما هم فيه ويعلمهم كيف يتجهون الاتجاه الصحيح ويبلغهم التكاليف التي يفرضها الاتجاه الجديد،وهو معهم أول من يحمل هذه التكاليف.

ولقد عجبوا من الرسالة ذاتها،وعجبوا - بصفة خاصة - من أمر البعث الذي حدثهم عنه هذا المنذر أول ما حدثهم.فقضية البعث قاعدة أساسية في العقيدة الإسلامية.قاعدة تقوم عليها العقيدة ويقوم عليها التصور الكلي لمقتضيات هذه العقيدة.فالمسلم مطلوب منه أن يقوم على الحق ليدفع الباطل،وأن ينهض بالخير ليقضي على الشر،وأن يجعل نشاطه كله في الأرض عبادة للّه،بالتوجه في هذا النشاط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت