وحشود،تطلقها هذه الكلمات القلائل،فتهز القلب البشري من أعماقه.فلا يتمالك نفسه ولا يتماسك تحت إيقاعاتها المنوعة الأصداء! «وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى » ..
وهي الحقيقة الهائلة الواقعة المتكررة في كل لحظة.فينساها الإنسان لتكرارها أمام عينيه،وهي أعجب من كل عجيبة تبدعها شطحات الخيال! نطفة تمنى ..تراق ..إفراز من إفرازات هذا الجسد الإنساني الكثيرة كالعرق والدمع والمخاط! فإذا هي بعد فترة مقدورة في تدبير اللّه ..إذا هي ماذا؟ إذا هي إنسان! وإذا هذا الإنسان ذكر وأنثى! كيف؟ كيف تمت هذه العجيبة التي لم تكن - لولا وقوعها - تخطر على الخيال؟ وأين كان هذا الإنسان المركب الشديد التركيب،المعقد الشديد التعقيد؟ أين كان كامنا في النقطة المراقة من تلك النطفة.بل في واحد من ملايين من أجزائها الكثيرة؟ أين كان كامنا بعظمه ولحمه وجلده،وعروقه وشعره وأظافره.وسماته وشياته وملامحه.
وخلائقه وطباعه واستعداداته؟! أين كان في هذه الخلية الميكروسكوبية السابحة هي وملايين من أمثالها في النقطة الواحدة من تلك النطفة التي تمنى؟! وأين على وجه التخصيص كانت خصائص الذكر وخصائص الأنثى في تلك الخلية.تلك التي انبثقت وأعلنت عن نفسها في الجنين في نهاية المطاف؟! وأي قلب بشري يقف أمام هذه الحقيقة الهائلة العجيبة.ثم يتمالك أو يتماسك.فضلا على أن يجحد ويتبجح،ويقول:إنها وقعت هكذا والسلام! وسارت في طريقها هكذا والسلام! واهتدت إلى خطها المرسوم هكذا والسلام! أو يتعالم فيقول:إنها سارت هذه السيرة بحكم ما ركب فيها من استعداد لإعادة نوعها،شأنها شأن سائر الأحياء المزودة بهذا الاستعداد! فهذا التفسير يحتاج بدوره إلى تفسير.فمن ذا أودعها هذا الاستعداد؟ من ذا أودعها الرغبة الكامنة في حفظ نوعها بإعادته مرة أخرى؟ ومن ذا أودعها القدرة على إعادته وهي ضعيفة ضئيلة؟ ومن ذا رسم لها الطريق لتسير فيه على هدى،وتحقق هذه الرغبة الكامنة؟ ومن ذا أودع فيها خصائص نوعها لتعيدها؟ وما رغبتها هي وما مصلحتها في إعادة نوعها بهذه الخصائص؟ لولا أن هنالك إرادة مدبرة من ورائها تريد أمرا،وتقدر عليه،وترسم له الطريق؟! ومن النشأة الأولى.وهي واقعة مكرورة لا ينكرها منكر،يتجه مباشرة إلى النشأة الأخرى. «وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى » ..والنشأة الأخرى غيب.ولكن عليه من النشأة الأولى دليل.دليل على إمكان الوقوع.فالذي خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى،قادر - ولا شك - على إعادة الخلق من عظام ورفات.فليست العظام والرفات بأهون من الماء المراق! ودليل على حكمة الوقوع.فهذا التدبير الخفي الذي يقود الخلية الحية الصغيرة في طريقها الطويل الشاق حتى تكون ذكرا أو أنثى.هذا التدبير لا بد أن يكون مداه أبعد من رحلة الأرض التي لا يتم فيها شيء كامل ولا يجد المحسن جزاء إحسانه كاملا،ولا المسيء جزاء إساءته كاملا كذلك.
لأن في حساب هذا التدبير نشأة أخرى يبلغ فيها كل شيء تمامه.فدلالة النشأة الأولى على النشأة الأخرى مزدوجة.ومن هنا جاء ذكرها هكذا قبل النشأة الأخرى ..وفي النشأة الأولى.وفي النشأة