وجاذبية الشمس وجاذبية القمر للأرض لهما حسابهما في توازن وضعها،وضبط خطاها في هذا الفضاء الشاسع الرهيب،الذي تجري فيه مجموعتنا الشمسية كلها بسرعة عشرين ألف ميل في الساعة في اتجاه واحد نحو برج الجبار.ومع هذا لا تلتقي بأي نجم في طريقها على ملايين السنين! وفي هذا الفضاء الشاسع الرهيب لا يختل مدار نجم بمقدار شعرة،ولا يختل حساب التوازن والتناسق في حجم ولا حركة.
وصدق اللّه العظيم .. «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ» .
«وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ» ..وقد كانت الإشارة السابقة إلى الحساب والتقدير في بناء الكون الكبير.فأما هذه فهيإشارة إلى اتجاه هذا الكون وارتباطه.وهي إشارة موحية إلى حقيقة هادية.
إن هذا الوجود مرتبط ارتباط العبودية والعبادة بمصدره الأول،وخالقه المبدع.والنجم والشجر نموذجان منه،يدلان على اتجاهه كله.وقد فسر بعضهم النجم بأنه النجم الذي في السماء.كما فسره بعضهم بأنه النبات الذي لا يستوي على سوقه كالشجر.وسواء كان هذا أم كان ذاك فإن مدى الإشارة في النص واحد.ينتهي إلى حقيقة اتجاه هذا الكون وارتباطه.والكون خليقة حية ذات روح.روح يختلف مظهرها وشكلها ودرجتها من كائن إلى كائن.ولكنها في حقيقتها واحدة.
ولقد أدرك القلب البشري منذ عهود بعيدة حقيقة هذه الحياة السارية في الكون كله.وحقيقة اتجاه روحه إلى خالقه.أدركها بالإلهام اللدني فيه.ولكنها كانت تغيم عليه،وتتوارى عنه كلما حاول اقتناصها بعقله المقيد بتجارب الحواس! ولقد استطاع أخيرا أن يصل إلى أطراف قريبة من حقيقة الوحدة في بناء الكون.ولكنه لا يزال بعيدا عن الوصول إلى حقيقة روحه الحية عن هذا الطريق! والعلم يميل اليوم إلى افتراض أن الذرة هي وحدة بناء الكون وأنها في حقيقتها مجرد إشعاع.وأن الحركة هي قاعدة الكون،والخاصية المشتركة بين جميع أفراده.
فإلى أين يتجه الكون بحركته التي هي قاعدته وخاصيته؟
القرآن يقول:إنه يتجه إلى مبدعه بحركة روحه - وهي الحركة الأصيلة فحركة ظاهره لا تكون إلا تعبيرا عن حركة روحه - وهي الحركة التي تمثلها في القرآن آيات كثيرة منها هذه: «وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ» ..
ومنها: «تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ،وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» ..ومنها: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ.كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ» ..
وتأمل هذه الحقيقة،ومتابعة الكون في عبادته وتسبيحه،مما يمنح القلب البشري متاعا عجيبا،وهو يشعر بكل ما حوله حيا يعاطفه ويتجه معه إلى خالقه وهو في وقفته بين أرواح الأشياء كلها،وهي تدب فيها جميعا،وتحيلها إخوانا له ورفقاء! إنها إشارة ذات أبعاد وآماد وأعماق ...