أشواقه! «وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ.لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ» ..تركها مجملة شاملة بغير تفصيل بعد ما ذكر الأنواع المعروفة لسكان البادية بالتعيين. «وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ» ..وهي هنا لا موضونة ولا ناعمة.وبحسبها أنها مرفوعة.وللرفع في الحس معنيان.مادي ومعنوي يستدعي أحدهما الآخر،ويلتقيان عند الارتفاع في المكان والطهارة من الدنس.فالمرفوع عن الأرض أبعد عن نجسها.والمرفوع في المعنى أبعد عن دنسها.ولهذا ينتقل السياق من الفرش المرفوعة إلى ذكر من فيها من الأزواج: «إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً» إما ابتداء وهن الحور.وإما استئنافا وهن الزوجات المبعوثات شواب: «فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا» لم يمسسن «عُرُبًا» ..متجبات إلى أزواجهن «أَتْرابًا» متوافيات السن والشباب. «لِأَصْحابِ الْيَمِينِ» ..مخصصات لهم.ليتسق ذلك مع «الفرش المرفوعة» ..
فأما أصحاب اليمين هؤلاء فهم «ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ» ..فهم أكثر عددا من السابقين المقربين.على الاعتبارين اللذين ذكرناهما في معنى الأولين والآخرين.
وهنا يصل بنا السياق إلى أصحاب الشمال - وهم أصحاب المشأمة الذين سبقت الإشارة إليهم في مطلع السورة: « وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ؟ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ.وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ.لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ.إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ.وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ.وَكانُوا يَقُولُونَ:أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ؟ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ؟ قُلْ:إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ.ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ.لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ.فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ.فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ.فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ» ..
فلئن كان أصحاب اليمين في ظل ممدود وماء مسكوب ..فأصحاب الشمال «فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ.وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ،لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ» ..فالهواء شواظ ساخن ينفذ إلى المسام ويشوي الأجسام.والماء متناه في الحرارة لا يبرد ولا يروي.وهناك ظل! ولكنه «ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ» ..ظل الدخان اللافح الخانق ..إنه ظل للسخرية والتهكم.ظل «لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ» ..فهو ظل ساخن لا روح فيه ولا برد وهو كذلك كز لا يمنح وراده راحة ولا إنعاشا! ..هذا الشظف كله جزاء وفاق: «إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ» ..وما آلم الشظف للمترفين! «وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ» ..والحنث الذنب.وهو هنا الشرك باللّه.وفيه إلماع إلى الحنث بالعهد الذي أخذه اللّه على فطرة العباد أن يؤمنوا به ويوحدوه. «وَكانُوا يَقُولُونَ:أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ؟ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ؟» كانوا ...هكذا يعبر القرآن،كأنما الدنيا التي فيها المخاطبون قد طويت وانتهت فإذا هي ماض.والحاضر هو هذا المشهد وهذا العذاب! ذلك أن الدنيا كلها ومضة.وهذا الحاضر هو العقبى والمآب.
وهنا يلتفت السياق إلى الدنيا في أنسب الأوقات لهذه اللفتة ليرد على سؤالهم ذاك: «قُلْ:إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ» ..هو هذا اليوم الحاضر المعروض المشهود! ثم يعود إلى