فهرس الكتاب

الصفحة 4301 من 4997

وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ.فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها.فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ،وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» ..

ولما كان مدار السورة على تحقيق حقيقة الإيمان في القلب وما ينبثق عن هذه الحقيقة من خشوع وتقوى،ومن خلوص وتجرد،ومن بذل وتضحية،فقد سارت في إقرار هذه الحقيقة في النفوس التي كانت تواجهها - والتي توجد في كل مجتمع إسلامي - على نسق مؤثر،أشبه ما يكون بنسق السور المكية،حافل بالمؤثرات ذات الإيقاع الآسر للقلب والحس والمشاعر! وكان مطلعها خاصة مجموعة إيقاعات بالغة التأثير تواجه القلب البشري بمجموعة من صفات اللّه سبحانه.

فيها تعريف به مع الإيحاء الآسر بالخلوص له،نتيجة للشعور بحقيقة الألوهية المتفردة،وسيطرتها المطلقة على الوجود،ورجعة كل شيء إليها في نهاية المطاف،مع نفاذ علمها إلى خبايا القلوب وذوات الصدور،واتجاه كل شيء إليها بالعبادة والتسبيح: «سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ،ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ،يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها،وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها،وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ،وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» ..

وهذا المطلع بذاته وبإيقاعاته كاف وحده ليهز القلوب هزا.ويوقع فيها الرهبة والخشية والارتعاش،كما يوقع فيها الرغبة الحية في الخلوص للّه والالتجاء إليه،والتجرد من العوائق والأثقال المعوقة عن تلبية الهتاف إلى الخلاص من الشح بالأنفس والأموال.ولكن سياق السورة تضمن كثيرا من المؤثرات تتخلل ذلك الهتاف وتؤكده في مواضع شتى.كتلك الصورة الوضيئة للمؤمنين والمؤمنات «يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ» ..

وتلك الصورة التي تقرر ضآلة الحياة الدنيا وقيمها إلى جانب قيم الآخرة وما يتم فيها من الأمور الكبار.كذلك جاءت لمسة أخرى ترد القلوب إلى حقيقة القدر المسيطرة على الوجود: «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها.إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ.وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ.الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ،وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» ..كي تستقر النفس وتطمئن لما يصيبها من خير أو شر،وهي في طريقها إلى اللّه.

فلا تطير جزعا،ولا تبطر فرحا،وهي تواجه الضراء والسراء.ولا تشرك باللّه سببا ولا ظرفا ولا حادثا.فكله بقدر مقسوم لأجل معلوم.ومرد الأمر كله في النهاية إلى اللّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت