وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها،وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ،وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ،وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» ..
هذا المطلع الموحي المختار.وما حشد فيه من خصائص الألوهية الفاعلة المؤثرة المبدعة لكل شيء، المحيطة بكل شيء، المهيمنة على كل شيء، العليمة بكل شيء.وما تعرضه من إبداع اليد القادرة وهي تجول في محيط السماوات والأرض،وتتلطف إلى خبايا الصدور وطوايا القلوب،وتشرف من عل على الوجود وما فيه ومن فيه ..
هذا المطلع الموحي المختار يتناول القلوب،فيهزها هزا،ويأخذها أخذا،وهو يجول بها في الوجود كله فلا تجد إلا اللّه،ولا ترى إلا اللّه،ولا تحس بغير اللّه،ولا تعلم لها مهربا من قدرته ولا مخبأ من علمه،ولا مرجعا إلا إليه،ولا متوجها إلا لوجهه الكريم: «سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ..هكذا ينطلق النص القرآني الكريم في مفتتح السورة فتتجاوب أرجاء الوجود كله بالتسبيح للّه.ويهينم كل شيء في السماوات والأرض،فيسمعه كل قلب مفتوح غير محجوب بأحجبة الفناء.ولا حاجة لتأويل النص عن ظاهر مدلوله.فاللّه يقول.ونحن لا نعلم شيئا عن طبيعة هذا الوجود وخصائصه أصدق مما يقوله لنا اللّه عنه ..ف «سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» تعني «سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» ..ولا تأويل ولا تعديل!
ولنا أن نأخذ من هذا أن كل ما في السماوات والأرض له روح،يتوجه بها إلى خالقه بالتسبيح وإن هذا لهو أقرب تصور يصدقه ما وردت به الآثار الصحيحة،كما تصدقه تجارب بعض القلوب في لحظات صفائها وإشراقها،واتصالها بالحقيقة الكامنة في الأشياء وراء أشكالها ومظاهرها ..
وقد جاء في القرآن الكريم: «يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ» ..فإذا الجبال كالطير تؤوب مع داود! وجاء في الأثر:أخرج مسلم في صحيحه عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنِّى لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّى لأَعْرِفُهُ الآنَ » [1] ...
وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِذْ بُعِثْتُ،إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الآنَ. [2]
وروى عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - بِمَكَّةَ فَخَرَجْنَا فِى بَعْضِ نَوَاحِيهَا فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ وَلاَ شَجَرٌ إِلاَّ وَهُوَ يَقُولُ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ [3] ..
(1) - صحيح مسلم- المكنز [15 /174] (6078)
(2) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [14 /402] (6482) صحيح
(3) - سنن الترمذى- المكنز [13 /212] (3986 ) ضعيف