فهرس الكتاب

الصفحة 4318 من 4997

عتاب فيه الود،وفيه الحض،وفيه الاستجاشة إلى الشعور بجلال اللّه،والخشوع لذكره،وتلقي ما نزل من الحق بما يليق بجلال الحق من الروعة والخشية والطاعة والاستسلام،مع رائحة التنديد والاستبطاء في السؤال: «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ؟» ..

وإلى جانب التحضيض والاستبطاء تحذير من عاقبة التباطؤ والتقاعس عن الاستجابة،وبيان لما يغشى القلوب من الصدأ حين يمتد بها الزمن بدون جلاء،وما تنتهي إليه من القسوة بعد اللين حين تغفل عن ذكر اللّه،وحين لا تخشع للحق: «وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ،فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ،فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ،وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» ..وليس وراء قسوة القلوب إلا الفسق والخروج.

إن هذا القلب البشري سريع التقلب،سريع النسيان.وهو يشف ويشرق فيفيض بالنور،ويرف كالشعاع فإذا طال عليه الأمد بلا تذكير ولا تذكر تبلد وقسا،وانطمست إشراقته،وأظلم وأعتم! فلا بد من تذكير هذا القلب حتى يذكر ويخشع،ولا بد من الطرق عليه حتى يرق ويشف ولا بد من اليقظة الدائمة كي لا يصيبه التبلد والقساوة.

ولكن لا يأس من قلب خمد وجمد وقسا وتبلد.فإنه يمكن أن تدب فيه الحياة،وأن يشرق فيه النور،وأن يخشع لذكر اللّه.فاللّه يحيي الأرض بعد موتها،فتنبض بالحياة،وتزخر بالنبت والزهر،وتمنح الأكل والثمار ..وكذلك القلوب حين يشاء اللّه: «اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها» ..

وفي هذا القرآن ما يحيي القلوب كما تحيا الأرض وما يمدها بالغذاء والري والدفء: «قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» [1] ..

(1) - عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ يَعْنِي ابْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ:"مَا كَانَ بَيْنَ إسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ } [الحديد:16] إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ"

وعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ:"لَمْ يَكُنْ بَيْنَ إسْلَامِهِمْ وَبَيْنَ أَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يُعَاتِبُهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ: { وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ } [الحديد:16] فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ"قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:فَطَلَبْنَا السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ عُوتِبُوا بِمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ،عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، فِي قَوْلِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ } [يوسف:3] الْآيَةَ، قَالَ:"أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا فَقَالُوا:يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنَا فَأَنْزَلَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } [يوسف:3] الْآيَةَ , قَالَ:فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا:يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ حَدَّثْتَنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ: { اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ } [الزمر:23] قَالَ:كُلُّ ذَلِكَ يُؤْمَرُونَ بِالْقُرْآنِ، قَالُوا:يَا رَسُولَ اللهِ:لَوْ ذَكَّرْتَنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ } [الحديد:16] "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سُؤَالُهُمْ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْقَصَصَ عَلَيْهِمْ، أَيْ:لِتَلِينَ بِذَلِكَ قُلُوبُهُمْ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } [يوسف:3] فَأَعْلَمَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى الْقَصَصِ مَعَ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّهُ لَا يَقُصُّ عَلَيْهِمْ أَنْفَعَ لَهُمْ مِنْهُ , ثُمَّ سَأَلُوا أَنْ يُحَدِّثَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ مِمَّا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ , وَكُلُّ ذَلِكَ يَرُدُّهُمْ إِلَى الْقُرْآنِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى شَيْءٍ يَجِدُونَ فِيهِ الَّذِي يَجِدُونَ فِي الْقُرْآنِ . وَبِاللهَ التَّوْفِيقُ"شرح مشكل الآثار [3 /194] (1157 ) "

وعَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى قَالَ:كَانَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ شَاطِرًا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ بَيْنَ ابْيُورْدَ، وَسَرْخَسَ وَكَانَ سَبَبَ تَوْبَتِهِ أَنَّهُ عَشِقَ جَارِيَةً، فَبَيْنَمَا هُوَ يَرْتَقِي الْجُدْرَانَ إِلَيْهَا إِذْ سَمَعَ تَالِيًا يَتْلُو: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ } [الحديد:16] ، قَالَ:فَلَمَّا سَمِعَهَا قَالَ:"بَلَى يَا رَبِّ، قَدْ آنَ"، فَرَجَعَ، فَآوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى خَرِبَةٍ، وَإِذَا فِيهَا سَابِلَةٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:نَرْتَحِلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:حَتَّى نُصْبِحَ، فَإِنَّ فُضَيْلًا عَلَى الطَّرِيقِ يَقْطَعُ عَلَيْنَا قَالَ:فَفَكَّرْتُ وَقُلْتُ:"أَنَا أَسْعَى بِاللَّيْلِ فِي الْمَعَاصِي، وَقَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ههُنَا يُخَوِّفُونَنِي، وَمَا أَرَى اللهَ سَاقَنِي إِلَيْهِمْ إِلَّا لِأَرْتَدِعَ، اللهُمَّ إِنِّي قَدْ تُبْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ تَوْبَتِي مُجَاوَرَةَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ"شعب الإيمان [9 /429] (6935 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت