ثم تجيء اللمسة الرابعة في إيقاع عميق،عن قدر اللّه،الذي لا يكون سواه: « ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها.إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ،وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ.الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ،وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» ..
إن هذا الوجود من الدقة والتقدير بحيث لا يقع فيه حادث إلا وهو مقدر من قبل في تصميمه،محسوب حسابه في كيانه ..لا مكان فيه للمصادفة.ولا شيء فيه جزاف.وقبل خلق الأرض وقبل خلق الأنفس كان في علم اللّه الكامل الشامل الدقيق كل حدث سيظهر للخلائق في وقته المقدور ..وفي علم اللّه لا شيء ماض،ولا شيء حاضر،ولا شيء قادم.فتلك الفواصل الزمنية إنما هي معالم لنا - نحن أبناء الفناء - نرى بها حدود الأشياء.فنحن لا ندرك الأشياء بغير حدود تميزها.حدود من الزمان وحدود من المكان.نحن لا نملك إدراك المطلق إلا في ومضات تتصل فيها أرواحنا بذلك المطلق،عن طريق غير الطريق الذي اعتدناه في إدراك الأشياء.
فأما اللّه - سبحانه - فهو الحقيقة المطلقة التي تطلع جملة على هذا الوجود،بلا حدود ولا قيود.وهذا الكون وما يقع فيه من أحداث وأطوار منذ نشأته إلى نهايته كائن في علم اللّه جملة لا حدود فيه ولا فواصل من زمان أو مكان.ولكل حادث موضعه في تصميمه الكلي المكشوف لعلم اللّه.فكل مصيبة - من خير أو شر فاللفظ على إطلاقه اللغوي لا يختص بخير ولا بشر - تقع في الأرض كلها وفي أنفس البشر أو المخاطبين منهم يومها ..
هي في ذلك الكتاب الأزلي من قبل ظهور الأرض وظهور الأنفس في صورتها التي ظهرت بها .. «إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» ..وقيمة هذه الحقيقة التي لا يتصور العقل غيرها حين يتصور حقيقة الوجود الكبرى.قيمتها في النفس البشرية أن تسكب فيها السكون والطمأنينة عند استقبال الأحداث خيرها وشرها.فلا تجزع الجزع الذي تطير به شعاعا وتذهب معه حسرات عند الضراء.ولا تفرح الفرح الذي تستطار به وتفقد الاتزان عند السراء: «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ،وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ»
فاتساع أفق النظر،والتعامل مع الوجود الكبير،وتصور الأزل والأبد،ورؤية الأحداث في مواضعها المقدرة في علم اللّه،الثابتة في تصميم هذا الكون ..كل أولئك يجعل النفس أفسح وأكبر وأكثر ثباتا ورزانة في مواجهة الأحداث العابرة.حين تتكشف للوجود الإنساني وهي مارة به في حركة الوجود الكوني.
إن الإنسان يجزع ويستطار وتستخفه الأحداث حين ينفصل بذاته عن هذا الوجود.ويتعامل مع الأحداث كأنها شيء عارض يصادم وجوده الصغير.فأما حين يستقر في تصوره وشعوره أنه هو والأحداث التي تمر به،وتمر بغيره،والأرض كلها ..ذرات في جسم كبير هو هذا الوجود ..وأن هذه الذرات كائنة في موضعها في التصميم الكامل الدقيق.لازم بعضها لبعض.وأن ذلك كله مقدر مرسوم