فهرس الكتاب

الصفحة 4328 من 4997

الأهواء واختلاف الأمزجة،وتصادم المصالح والمنافع.ميزانا لا يحابي أحدا لأنه يزن بالحق الإلهي للجميع،ولا يحيف على أحد لأن اللّه رب الجميع.

هذا الميزان الذي أنزله اللّه في الرسالة هو الضمان الوحيد للبشرية من العواصف والزلازل والاضطرابات والخلخلة التي تحيق بها في معترك الأهواء ومضطرب العواطف،ومصطخب المنافسة وحب الذات.فلا بد من ميزان ثابت يثوب إليه البشر،فيجدون عنده الحق والعدل والنصفة بلا محاباة. «لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» ..فبغير هذا الميزان الإلهي الثابت في منهج اللّه وشريعته،لا يهتدي الناس إلى العدل،وإن اهتدوا إليه لم يثبت في أيديهم ميزانه،وهي تضطرب في مهب الجهالات والأهواء! «وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ،وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ» ..

والتعبير (بأنزلنا الحديد) كالتعبير في موضع آخر بقوله: «وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ» .كلاهما يشير إلى إرادة اللّه وتقديره في خلق الأشياء والأحداث،فهي منزلة بقدره وتقديره.فوق ما فيه هنا من تناسق مع جو الآية،وهو جو تنزيل الكتاب والميزان،فكذلك ما خلقه اللّه من شيء مقدر تقدير كتابه وميزانه.

أنزل اللّه الحديد «فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ» ..وهو قوة في الحرب والسلم «وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ» ..وتكاد حضارة البشر القائمة الآن تقوم على الحديد. «وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ» .وهي إشارة إلى الجهاد بالسلاح تجيء في موضعها في السورة التي تتحدث عن بذل النفس والمال.

ولما تحدث عن الذين ينصرون اللّه ورسله بالغيب،عقب على هذا بإيضاح معنى نصرهم للّه ورسله،فهو نصر لمنهجه ودعوته،أما اللّه سبحانه فلا يحتاج منهم إلى نصر: «إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» ..

ولما انتهى من تقرير وحدة الرسالة في جوهرها وكتابها وميزانها عاد يقرر وحدتها في رجالها،فهم من ذرية نوح وإبراهيم. «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ» ..فهي شجرة واحدة باسقة،متشابكة الفروع،فيها النبوة والكتاب.ممتدة من فجر البشرية منذ نوح،حتى إذا انتهت إلى إبراهيم،تفرعت وامتدت وانبثقت النبوات من ذلك الفرع الكبير الذي صار أصلا باسقا ممتدا إلى آخر الرسالات.فأما الذرية التي جاءتها النبوات والكتب فلم تكن على شاكلة واحدة: «فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» ..وهو تلخيص قصير لذلك الخط الطويل! وقرب نهاية الخط يجيء عيسى بن مريم: «ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» ..

أي على آثار السابقين من ذرية نوح وإبراهيم.فكانت الرسالة ممتدة واحدة على إثر واحدة حتى جاء عيسى ابن مريم.ويذكر هنا صفة بارزة من صفات الذين اتبعوا عيسى بن مريم: «وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً» ..وهم الثمرة الطبيعية لدعوة المسيح - عليه السلام - وروحها السمحة وتطهرها الروحي،وشفافيتها الوضيئة والرأفة والرحمة ظاهرة واضحة في المؤمنين حقيقة برسالة عيسى عليه السلام،ممن أحسنوا اتباعه.وقد أشارت إليها آيات أخرى في القرآن الكريم،كما حفظ منها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت